تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والله أيها الإخوة ، في هذه الدعوة المتواضعة ، وفي عمر ليس بالمديد التقيت بأناس كثيرين يزيدون عن عشرة أشخاص كان يقول أحدهم : ما من معصية على وجه الأرض إلا اقترفتها مهما تكن قذرة ، ومع ذلك تاب إلى الله توبة نصوحًا ، لذلك هذا الكلام أيها الإخوة ، يجب أن يمنحنا نَفَساً طويلاً مع الطرف الآخر ، يجب ألا تيأس من إنسان غارق في المعصية، لعل الله يهديه ، لذلك كبار العلماء عندهم أدب مع الله كبير ، إذا رأوا إنساناً يعاقر الخمر يقولون : هذا الآن في معصية ، أما إنه يمكن أن يتوب وأن يسبقنا ، هذا شيء واقعي، لا تحتقر عاصيًا ، سيدنا خالد ما هو ظن المؤمنين ، وهو يقاتل رسول الله ، ويقاتل صحابته الكرام ، والتف عليهم من ظهورهم ، وأوقع فيهم الأذى ، وقتَّل بعضهم ، ألم يمتلئوا كراهية له؟ ألم يمتلئوا تمنيات أن يموت ، أو أن يُهلكه الله عز وجل ؟ فإذا هو بعد قليل سيف الإسلام، يقول هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه : خُضت مئة معركة أو زُهاءها ، وليس في جسمي موضع إلا فيه ضربة بسيف ، أو طعنة برمح ، وهاأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير ، فلا نامت أعين الجبناء .

فأنت كمؤمن يجب أن يكون لك قلب كبيرًا حتى لو رأيت عاصياً ، هذا الذي يعصي الله الآن قد يتوب ، وقد يستغفر ، وقد يقبله الله عز وجل ، وقد يرفع قدره ، والآية الكريمة : ﴿ قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ .

[ سورة الزمر : الآية 53 ]

هذا الكلام يعلمنا الأدب مع خلق الله عز وجل ، قال تعالى :

فمن حيث التصرف النبي عليه الصلاة والسلام لا يملك لنفسه ، نفعاً ولا ضراً ، ولا موتاً ، ولا حياةً ، ولا نشوراً ، بل لا يملك لنا : ﴿ فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ﴾ .

[ سورة سبأ : الآية 42 ]

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٢١٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٢١٧٨