تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أمضى حياته في طاعة الله ، أمضى حياته في خدمة الخلق ، أمضى حياته في رفع البؤس عن الآخرين ، ما تكلم كلمة فيها سخرية ، ما نظر نظرة مشبوهة ، ما متع عينيه بما لا يحل له ، ما ظلم زوجة ، ولا ابناً ، ولا جاراً ، لا صديقاً ، ولا مشترياً ، ما غش مسلماً ، أدى صلواته الخمس ، صلى قيام الليل ، ذكر الله كثيراً ، وقف عند كلام الله ، تَتَبَّع الحكم الشرعي في كل شيء ، حضر مجالس العلم ، تزود بزاد التقوى قبل أن يموت ، هذا يأتي يوم القيامة أبيض الوجه ، أنت لاحظ يوم توزيع الجلاءات على الطلاب ، تجد طالبًا يكاد يرقص من شدة الفرح ، ومعه جلاؤه ، ينطلق إلى أبيه انطلاقاً ليريه الجلاء ، وتجد طالبًا آخر يبكي ، ويمزق الجلاء ، قال تعالى :

أنت لاحظ هؤلاء الذين يرتكبون السرقات ، والموبقات حينما يقعون في قبضة العدالة ، وحينما يأتي المصورون ليصوروهم ، عيونهم في الأرض ، لا يستطيعون أن ينظروا إلى المصور .

مرة كنت عند قاضٍ للتحقيق ، صديق لي يحقق في جريمة ، فهذا المجرم ناكس الرأس، خافض البصر ، وجهه أغبر اللون ، مسودّ الوجه ، فُتِح الباب ، ودخل شاب يطفح وجهه بِشْراً ، فقال له : هل الساعة جيدة ، يبدو أنه يصلح بعض الساعات ، فكلَّفه بتصليح ساعته ، لأنه إنسان مواطن شريف بريء ، دخل عليه مستبشر فقال له : جيدة جداً ، جزاك الله كل الخير ، وازنت بين هذا الإنسان الذي يُحَقق معه في جريمة قتل ، وبين هذا الشاب الذي يعمل عملاً شريفاً أنجز شيئًا كُلِّف به ، لاحظ كيف أن البريء واضح من وجهه ، مرتاح، هناك صفاء وراحة ، حتى لو اتُّهم كذباً لا يتأثر ، يعلم أنه مستقيم ، ومن عرف نفسه لم تضره مقالة الناس به ، لكن الملاحظة الدقيقة هي أن هؤلاء في رحمة الله ، أي في الجنة ، رحمة الله هي الجنة ، أي رحمة الله هي رمز لعطاء الله ، أعلى عطاء لله أن يكون نصيبك في الجنة .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٢٠٦٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٢٠٦٧