سمعت هذه القصة ، وهي قديمة جداً ، قال تاجر من تجار البيوت : أعندك بيت للأجرة قال : لا ، أنا لا أؤجر ، أنا أبيع فقط ، ألح عليه مرتين أو ثلاثا فأجره بيتاً كاسداً ، قال : عهد الله علي إن طلبته مني لأسلمك إياه في أربع وعشرين ساعة ! مضت السنوات ، وارتفعت أسعار البيوت إلى درجة كبيرة ، وجاء من يشتري البيت بعشرة أمثال ثمنه في السابق ، فجاء هذا المؤجر للمستأجر الذي قطع عهداً على نفسه أن يسلم البيت في أربع وعشرين ساعة ، قال : أنا البيت بعته ، وأنا لا أطالبك بعهدك أن تسلمني إياه في أربع وعشرين ساعة ، معك ستة أشهر ، بعد ساعات لا تزيد عن العشرين طرق باب المالك ، وقدم له مفتاح البيت ، صعق ، ودهش ! انطلق إلى البيت فوراً ، فإذا هو في أحسن حال ، التقى بأحد الجيران ، قالوا له : كم أخذ منك ؟ قال : واللهِ لم يأخذ شيئاً ، إلا أنه عاهدني أن يقدم لي البيت حينما أطلبه ، وقد طلبته ، فقالوا : لقد باع كل أثاثه بأبخس الأثمان ، وسكن في الفندق ! لو يوجد مسلمون بهذا المستوى فلن تجد أزمة سكن في بلدنا إطلاقاً ، لأنه عاهد ، اشتروا بعهد الله وأيمانه ثمنا قليلا ، هذه قصة لها تتمة فيها غرابة ، أن هذا الذي وجد هذا العهد من هذا المسلم كأنه استثار كل قيمه ، فذهب إليه ، وأعاده إلى البيت ، وباعه إياه بالثمن الذي سكن فيه أول مرة ، وجعل أجرته التي دفعها من ثمن البيت ! وتكفّل بتأثيث البيت على حسابه ، العهد ، ألا لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا دين لمن لا عهد له ، لو أن كل مسلم وقف عند عهوده ومواثيقه لكنا في حالة غير هذه الحالة ، لو أن المسلم فهم الدين وفاء بالعهد ، وإنجازاً بالوعد المسلم القديم الذي كان في زمن التألق فهو مستعد أن يخسر الدنيا بأكملها ، ولا ينقض عهده ، والمسلم المعاصر مستعد أن ينقض عهده ألف مرة ، ولا أن يخسر درهماً واحداً ، قيل لأحدهم في المحكمة : أتحلف ؟ شاهد زور ، قال : أحلف ، فلما دخل إلى مجلس القاضي
تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١٩٣٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير محمد راتب النابلسيص ١٩٣٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي