تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سمعت هذه القصة ، وهي قديمة جداً ، قال تاجر من تجار البيوت : أعندك بيت للأجرة قال : لا ، أنا لا أؤجر ، أنا أبيع فقط ، ألح عليه مرتين أو ثلاثا فأجره بيتاً كاسداً ، قال : عهد الله علي إن طلبته مني لأسلمك إياه في أربع وعشرين ساعة ! مضت السنوات ، وارتفعت أسعار البيوت إلى درجة كبيرة ، وجاء من يشتري البيت بعشرة أمثال ثمنه في السابق ، فجاء هذا المؤجر للمستأجر الذي قطع عهداً على نفسه أن يسلم البيت في أربع وعشرين ساعة ، قال : أنا البيت بعته ، وأنا لا أطالبك بعهدك أن تسلمني إياه في أربع وعشرين ساعة ، معك ستة أشهر ، بعد ساعات لا تزيد عن العشرين طرق باب المالك ، وقدم له مفتاح البيت ، صعق ، ودهش ! انطلق إلى البيت فوراً ، فإذا هو في أحسن حال ، التقى بأحد الجيران ، قالوا له : كم أخذ منك ؟ قال : واللهِ لم يأخذ شيئاً ، إلا أنه عاهدني أن يقدم لي البيت حينما أطلبه ، وقد طلبته ، فقالوا : لقد باع كل أثاثه بأبخس الأثمان ، وسكن في الفندق ! لو يوجد مسلمون بهذا المستوى فلن تجد أزمة سكن في بلدنا إطلاقاً ، لأنه عاهد ، اشتروا بعهد الله وأيمانه ثمنا قليلا ، هذه قصة لها تتمة فيها غرابة ، أن هذا الذي وجد هذا العهد من هذا المسلم كأنه استثار كل قيمه ، فذهب إليه ، وأعاده إلى البيت ، وباعه إياه بالثمن الذي سكن فيه أول مرة ، وجعل أجرته التي دفعها من ثمن البيت ! وتكفّل بتأثيث البيت على حسابه ، العهد ، ألا لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا دين لمن لا عهد له ، لو أن كل مسلم وقف عند عهوده ومواثيقه لكنا في حالة غير هذه الحالة ، لو أن المسلم فهم الدين وفاء بالعهد ، وإنجازاً بالوعد المسلم القديم الذي كان في زمن التألق فهو مستعد أن يخسر الدنيا بأكملها ، ولا ينقض عهده ، والمسلم المعاصر مستعد أن ينقض عهده ألف مرة ، ولا أن يخسر درهماً واحداً ، قيل لأحدهم في المحكمة : أتحلف ؟ شاهد زور ، قال : أحلف ، فلما دخل إلى مجلس القاضي

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١٩٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ١٩٣٢