إن بني إسرائيل حرّموا على أنفسهم أشياء لم يُحرِّمها الله عليهم ، وهناك معنى آخر؛ أن الله حرَّم عليهم أشياء ، وتحريمها تأديب لا تشريع ، فالنبي عليه الصلاة والسلام ، والسيد المسيح أحلّ لهم ما حُرِّم عليهم ، إما تأديباً ، أو توهماً من قِبَل أنفسهم ، لذلك أيها الإخوة ، قد نظن أنه من الخطر الشديد جداً أن نحلل الحرام ، هذا جريمة ، لكن لا تنسَوا أن هناك جريمة لا تقل عنها ، وهي تحريم الحلال ، تحريم الحلال لا يقل انحرافاً في العقيدة عن تحليل الحرام ، فأنت مكلف ألا تُحلَّ حراماً ، وألا تُحرِّم حلالاً ، أحياناً يشتهي الإنسان الاجتهاد من عنده ، فهذا حرام ، أنا حينما أرى رجلاً يستعجل ، ويقول : هذا حرام أعجب أشد العجب ، المُحَلل والمُحَرِّم هو الله ، ومن يجرؤ من بني البشر كائناً من كان أن يَحلَّ شيئاً حرَّمه الله ، أو أن يُحرِّم شيئاً أباحه الله ، حتى إن رماة أُحد الذين عصوا رسول الله صلى عليهم وإن عصوه ، قال علماء السيرة : إنهم عصوا أمراً تنظيمياً ، ولم يعصوا أمراً تشريعياً ، وشتان بين الأمر التشريعي الذي هو من عند الله ، وبين الأمر التنظيمي ، لو فرضنا أن لهذا الحَرَم باباً ، وأنا قلت : تيسيراً للنظام : يكون الدخول من هذا الباب ، والخروج من الباب الآخر ، هذا أمر تنظيمي ، فإن كان هناك شخص خالف هذا الأمر فهو خالف أمراً تنظيمياً ، أما الخمر فحرام ، فمن يشربها فقد خالف أمراً تشريعياً ، الزنا حرام ، فالذي يزني فقد خالف أمراً تشريعياً ، فالمسافة كبيرة جداً جداً بين مخالفة الأمر التنظيمي ، وبين مخالفة الأمر التشريعي ، فرماة أُحد مع أنهم عصوا النبي عليه الصلاة والسلام ، ولم يبقوا في أماكنهم إلا أن الله سبحانه وتعالى سمح لنبيه الكريم أن يصلي عليهم ، لأنهم لم يعصوا أمراً تشريعياً ، بل عصوا أمراً تنظيمياً ، قال تعالى :
[ سورة آل عمران : الآية 50]