دخل وفد على سيدنا عمر بن عبد العزيز للتهنئة بالخلافة ، يتقدمهم غلام صغير ، فغضب ، وقال له : اجلس ، وليقم من هو أكبر منك سنّاً ، فقال له : أصلح الله الأمير ! " المرء بأصغريه ؛ قلبه ولسانه " فإذا وهب الله عبداً لسانا لافظاً ، وقلباً حافظاً فقد استحق الكلام ، ولو أن الأمر كما تقول أيها الأمير بالحجم لكان في هذه الأمة من هو أحق منك بهذا المجلس ، هذا كلام طفل في العاشرة من عمره ! ودخل على عبد الملك بن مروان وفد آخر من البادية ، فغضب من حاجبه ، وقال : ما شاء أحد أن يدخل عليّ حتى دخل ! حتى الصبية ! وبّخ حاجبه ، فقال هذا الطفل الصغير :" أيها الأمير إن دخولي عليك لم ينقص من قدرك ، ولكنه شرفني ! أصابتنا سنة أذابت الشحم ، وسنة أكلت اللحم ، بقوا جلدا وعظما ، وسنة دقت العظم ، ومعكم فضول أموال ، فإن كانت لله فنحن عباده ، فتصدقوا بها علينا ، وإن كانت لنا فعلامَ تحبسوها عنا ؟ وإن كانت لكم فتصدقوا بها علينا ؟ فقال هذا الخليفة : والله ما ترك هذا الغلام لواحدة لنا عذراً "، اسمع أطفالنا ، اسمع كلامهم بعد الانصراف ، انظر كيف يفعلون ، شيء مؤلم جداً ، ترى هل يوجد بيت ليس فيه أولاد ؟ هذا الأب المسلم لمَ لا يقول كامرأة عمران : رب إني نذرت لك هذا الغلام لمرضاتك ، لمَ لا تعتنِي به ؟ لمَ لا تأتي به إلى المسجد ؟ لمَ لا تصلي به إماماً في البيت ؟ لمَ لا تعلمه القرآن ؟ لمَ لا تعلمه محبة النبي العدنان ؟ لمَ لا تنشئه على طاعة الله ؟ لمَ تبعده عنك ؟ لمَ تجعله في الطريق يتعلم كلاماً بذيئاً فاحشاً ؟ هذه قدوة ، أنا أريد أن يكون هذا القرآن مطبقاً في حياتنا ، فما قيمة هذه القصة لو أبعدناها عن حياتنا ؟
تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١٧٧١
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير محمد راتب النابلسيص ١٧٧١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي