تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن أيها الإخوة لا بد هنا من تعليق : ربما منعك فأعطاك ، وربما أعطاك فمنعك . يعني الله عز وجل حكيم ، إذا نزع منك المُلك ، ثم كُشِفَت لك حكمة نزع هذا الملك ، ينبغي أن تذوب محبة لله ، إن أعطاه الملك فلحكمة ، وإن نُزِعَ منك الملك فلحكمة ، قد تكون عقوبة ، والعقوبة نوع من التربية ، وقد تكون وقاية ، والوقاية نوع من التربية ، وقد تكون ابتلاء ، والابتلاء رفع درجات ، على كل يجب أن تعتقد أن كل شيءٍ فعله الله هو محض حكمةٍ ومحض فضل . وأسبغ عليكم نعمة ظاهرة وباطنة ..

مرة أحد كبار ملوك الأندلس ، كان يمشي في حديقته ، فكان شاعراً ، فرأى بركة الماء وقد هبَّت عليها نسائم لطيفة ، فجعلت على سطح الماء كالزرد ، أيْ كالسلسلة ، موجات ناعمة ، فقال:

صنع الريح على الماء زرد ......

ولم يستطع متابعة هذا البيت ، فسمع وراءه جارية تقول :

يا له درعاً منيعاً لو جمد

* * *

أعجب بها إعجاباً شديداً لأنه شاعر وهي شاعرة ، وتزوجها وأصبحت في القصر ، اشتاقت مرة إلى أيام الفقر ، كانت تدوس في الطين، فجاء لها بالمسك والعنبر وجبلهما بماء الورد، فقال : هذا هو الطين ، ثم نزع منه الملك فجأة وأودع في السجن ، وبعد حين خرج من السجن ، وعاش معها في كوخٍ حقير ، وساءت العلاقة بينهما ، فكانت تقول له أحياناً : لم أر منك خيراً قط ، يقول لها : ولا يوم الطين !!

ورد في بعض الأحاديث أن النساء ـ طبعاً غير المؤمنات ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ يَكْفُرْنَ قِيلَ أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ قَالَ يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ)) .

( من مسند الإمام الشافعي )

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١٧٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ١٧٣٣