الناحية الثانية : إذا كنت قادراً على أن تقوِّم المنكر بيدك ، ليس مقبولاً منك أن تقوِّمه بلسانك ، وإن كنت قادراً على أن تقوِّمه بلسانك ، ليس مقبولاً منك أن تقوِّمه بقلبك ، هذه مراتب أيضاً . وحينما لا نأمر بالمعروف ولا ننهى عن المنكر يعمُّنا البلاء ، وهذا معنى قوله تعالى : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً
( سورة الأنفال : من آية " 25 " )
والله عزَّ وجل لم يكن ليهلك القرى بظلمٍ وأهلها ـ قال ـ مصلحون ، ولم يقل صالحون ، الصالح الذي لا يأمر ولا ينهى يهلك ، أما المصلح هذا الذي ينجو من عذاب الله .
وقال عليه الصلاة والسلام :" لا يحل لمؤمنٍ أن يذل نفسه ، قالوا : يا رسول الله وما إذلال نفسه ؟ قال : يتعرض من البلاء لما لا يقوم له " .
( من الجامع لأحكام القرآن : عن " أبي هريرة " )
فأنت لست مكلفاً أن تأمر بمعروفٍ ، أو أن تنهى عن منكرٍ ، وتأتيك مصيبةٌ بعدها لا قبل لك بتحمُّلها ، هذا ما كلفك الشرع به ، إن نتج عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتنةٌ أشد من المنكر الذي تُنكره ، في هذه الحالة يقرر علماء الفقه ، أنه ليس عليك أن تنكر هذا المنكر ، لأنه لا تتحمل نتائج ما تنكر .
ورد حديث أيضاً ، فقد روى أنس بن مالك قال : قيل : يا رسول الله متى نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟ قال : " إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم ، قلنا : يا رسول الله وما ظهر في الأمم قبلنا ؟ قال : المُلك في صغاركم ، والفاحشة في كباركم ، والعلم في أراذلكم " .
فإذا كان العلم في الفُسَّاق ، كإنسان يحمل شهادات عليا ، لكنه فاسق ، فعندئذٍ كما قال عليه الصلاة والسلام : " إذا رأيت شحاً مطاعاً ، وهوىً متبعاً ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ..."
( من الجامع لأحكام القرآن )
وإذا كان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتنةٌ أشد من المنكر الذي تنكره ، عندئذٍ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها .