أيها الإخوة ... مرة ثانية هناك عقل صريح ، هذا أداة معرفة الله ، وهناك عقلٌ تبريري ، هذا أداة لتغطية الانحراف ، وما كلُّ فكرٍ تقرأه فكرٌ صريح ، قد يكون فكراً تبريرياً ، قد يكون فكراً لتغطية انحرافٍ شديد ، الإنسان منطقي في الأساس ، حتى لو ارتكب جرائم يفلسف هذه الجرائم ، ويجعلها مبررة ، حتى لو أكل أموال الناس بالباطل ، يفلسف هذا الانحراف ، حتى لو كان زير نساءٍ ، له كلامٌ مزينٌ يقوله ، فالعبرة ما جاء به الوحي ، فهناك مقولات لا تنتهي ، هناك طروحات لا تنتهي ، هناك آراء لا تنتهي ، العبرة أن تصطفي من كل هذه المقولات ما جاء به الوحي ، لأنه من عند الله ، ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام ، لأنه لا ينطق عن الهوى ، القاعدة الثابتة التي لا تتزحزح ، ولا تتزلزل الكتاب والسنة ، ما إن تمسكتم بهما فلن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنة رسوله ، هذا منهج ، هذا صراط مستقيم ، هذا حبل الله المتين، هذه سنة النبيين ، إذا انتشر الجدال ، وعمَّ النقاش السفسطائي ، إذا فشا الحوار غير موضوعي فقل :
فعندنا نقل ، وهو الدين ، وعندنا عقل ، العقل له دورٌ في التأكُّد من صحة النقل قبل أن نقرأ النقل ، وله دورٌ في فهم النقل بعد أن نقرأ النقل ، له دورٌ قبل النقل في التأكد من صحته، ودورٌ بعد النقل في فهمه ، لكن لن يكون العقل حَكَمَاً على النقل ، لأن العقل قد يخطئ ، وقد يصيب ، وقد يبالغ ، وقد يرتبط بواقع معيِّن ، فكما أن أجدادنا لو قاموا من قبورهم ، ورأوا ما فعله الإنسان من إنجازات ، لا يصدقونها ، لأن عقولهم وقتها مرتبطة بواقعٍ معين ، لكن حينما يرَوْنَ أن هذه الأشياء المستحيلة أصبحت واقعاً ، إذا هم حينما أنكروها ما كانوا على صواب ، إذاً العقل مرتبط بالواقع ، أما النقل مرتبط بخالق الأكوان بشكلٍ أو بآخر ..