فقد كنت أضرب مثلاً لعله طريفٌ ، أن إنساناً عنده دابة يعمل عليها ، فلما ماتت بنى عليها بناءً ، وأعطى اسماً لوليٍ من عقله ، من اختراعه ، وجاءه الناس بالهدايا ، والإكرامات ، وعاش في بحبوحةٍ ما بعدها بحبوحة ، هل هناك قوة في الأرض يمكن أن تقنعه أن الذي دفن هنا حمار ؟ أو دابة ؟ لا ، مستحيل ، هو دفنه بيده ، قناعته بأن هذا المدفون دابة أشد من قناعة الذي يجادله ، ولكن هذا الدخل الكبير الذي جاءه بسبب هذه الخدعة ، هذه لن تجعله يقرُّ بالواقع، هو منتفعٌ بهذا الافتراء ، فالإنسان حينما ينتفع بكذبٍ ، أو بنفاقٍ ، أو له مصلحة هذا لا يناقش ، والأولى ألا تناقشه ، وإلا فلست على علمٍ ، ولست على وعيٍ إطلاقاً ، المنتفع بكفره لا يناقش ، المنتفع بنفاقه لا يناقش ، المنتفع بفكرةٍ معينة ، بطرحٍ معين ، برأيٍ معين ، بمذهبٍ معين ، المنتفع لا يناقش ، لأنه استخدم عقله لغير ما خلق له .
لذلك كلمة الجدل أينما وردت في القرآن ليست ممدوحةً بل هي مذمومة ، " ((مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ)) .
(الترمذي ابن ماجه ، أحمد))
والمسلمون حينما تخلفوا عن تطبيق منهج ربهم ، دخلوا في متاهاتٍ فيما بينهم ، وأوتوا الجدل ، وجُعل بأسهم بينهم ، ويأتون بجزئيَّات الدين ويكبِّرونها ، ويجعلونها أصلاً في الدين ، ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها إذا خالفهم أحدٌ في رأيهم ، هذا أيضاً من حب الدنيا ، فلذلك :
إنّ حقيقة هذا الدين أن تطيع الله ، حقيقة هذا الدين يغلب عليها الطابع العملي ، طابع التديُّن عملي ، وليس كما يقولون : نظري ، نظرياً هناك أناسٌ كثيرون لهم اهتمامات إسلامية ، لهم ثقافة إسلامية ، يجادلون ، يحاورون ، يناقشون ، ينحازون ، يعني أحياناً يفعلون المُنكرات من أجل إثبات رأيهم أو اتجاههم ، والله عزَّ وجل يقول :
أسلمت ذاتي له ، يعني خضعت لأمره ، يعني انصعت لأمره ، يعني أنا مطبقٌ لامره ..