تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بلغني أن رجلاً في بلدٍ عربي ، له تجارة واسعة جداً ، في الصيف ذهب إلى بلد جميل في الشمال ، في تركيا ، وفي الفندق جاءته أزمةٌ قلبية فأودت به ، هو في الخامسة والخمسين من عمره ، ترك أربعة آلاف مليون، وما صلَّى فرض صلاة ، ولا حج ، ولا اعتمر ، فالمال تجمعه مجزَّءًا ، وتدعه مكدَّساً ، تعيش فقيراً لتموت غنياً ، وأندم الناس رجلٌ دخل ورثته بماله الجنة ودخل هو بماله النار ، ليس لك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدَّقت فأبقيت ، الذي لك اثنان منهم مستهلكان ؛ جزء مما لك تصدَّقت به ، وأما الرصيد الذي لم تأكله ، ولم تلبسه ، ولم تتصدق به ، في الأصل ليس لك ، ولكنك محاسب عليه ، إذاً الرزق ما انتفعت به ، والكسب ما سئلت عنه ولم تنتفع به ، لذلك يقول الإنسان وروحه ترفرف فوق النعش : " يا أهلي يا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي ، جمعت المال مما حل وحرم ، فأنفقته في حله ، وفي غير حله ، فالهناء لكم والتبعة علي".

وقد رد في بعض الآثار أن : " الناس يحشرون يوم القيامة أربع فرق ، فريقٌ جمع المال من حرام وأنفقه في حرام ـ هذا حسابه سريعٌ جداً بثانية ـ خذوه إلى النار ، وفريقٌ جمع المال من حرام ـ عنده ملهى ـ وأنفقه في حلال ـ تزوج ، واشترى بيتًا ، ومركبة ـ فيقال : خذوه إلى النار ـ لأن في جمعه حرامًا ـ وفريقٌ جمع المال من حلال ـ تجارة مشروعة ـ وأنفقه في حرام ـ في ليالِ حمراء ـ فيقال : خذوه إلى النار ـ بقي واحد ـ الذي جمع مالاً من حلال ، وأنفقه في حلال ، هذا قفوه فاسألوه " ، هل تاه بماله على عباد الله ؟ هل شغله ماله عن فرضٍ أو عن واجب ؟ هل قال جيرانه : يا رب لقد أغنيته بين أظهرنا فقصَّر في حقنا ؟ ، والنبي عليه الصلاة والسلام فيما تروي الآثار أنه قال : " فما زال يسأل ويسأل " ، والحساب طويل فتركه ، ومشى .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١٦٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ١٦٦٦