فأنت عندما تجد آلة بالغة التعقيد غالية جداً ، وتجد معها كتاب تعليمات باللغة العربية ، يصيبك سرور ما بعده سرور ، تقرأه بشغفٍ عجيب ، لو اشتريت آلةً بالغة التعقيد ، غالية الثمن، عظيمة النفع ، مثلاً هناك الآن كومبيوترات ، حواسب ، يمكن أن تحلل الدم ، تأخذ قطرة دمٍ ، وتضغط على المفتاح ، فيأتي التحليل سبعةً وعشرين تحليلاً ، فإذا أمرت بطبعها يطبعها ، فإذا كل تحليل ثلاثة آلاف ليرة ، وفي عندك مئة زبون واقفين وكلها كبسة زر ، فهذا شيء مفيد جداً، هذا الحاسوب جاء بلا كتاب تعليمات ، كتاب التعليمات أهم منه ، لأنك لو استعملته بلا تعليمات الصانع أعطبته ، وإن خفت على سلامته لن تستعمله وجمدت ثمنه ، ألا ترى معي أن كتاب التعليمات أهم منه ؟ لذلك قال تعالى : الرَّحْمَانُ(1)عَلَّمَ الْقُرْآنَ(2)خَلَقَ الإِنسَانَ(3)عَلَّمَهُ الْبَيَان
(4)
( سورة الرحمن )
علم القرآن ، خلق الإنسان ، أيعقل أن يُعَلَّم القرآن قبل أن يخلق ؟ هكذا الترتيب ، قال علماء التفسير : هذا ترتيبٌ رُتَبِيّ لا ترتيبٌ زمني ، أي لا معنى لوجود الإنسان من دون القرآن، لا معنى لوجودك من دون منهج تسير عليه ، فهذا الكتاب فيه الحلال وفيه الحرام ، وفيه الخير وفيه الشر ، أي فيه تعريف بالشر ، تعريف بالخير ، بالحلال ، بالحرام ، والأمر والنهي ، طريق السلامة ، طريق السعادة ، آيات كونية ، آيات إخبارية ، الأقوام السابقون ، المستقبل البعيد ، الماضي السحيق ، كله في القرآن الكريم ، وجاء النبي وفسَّره تفسيراً رائعاً في أحاديثه الشريفة ، فهذا شفاء ، وهذا فرضٌ على كل إنسان أن يقرأه وأن يفهمه ..
طبعاً ..