تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن أكثرالناس لا يعلمون} (سبأ: 28) وقوله جل جلاله: {ما كان محمد أبا

أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما} (الأحزاب: 40) وقوله عم نواله فيما أنزله عليه في حجة الوداع يوم الحج

الأكبر ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ (المائدة: 3) .

وقد بلغ صلوات الله وسلامه عليه دعوة ربه كما أمر، فبدأ بأم القرى , ثم بما

حولها من جزيرة العرب وشعوب العجم، باللسان العربي الذي قضى الله أن يوحد

به ألسنة جميع الأمم، فيجعلهم أمة واحدة بالعقائد والعبادات والآداب والشرع واللغة،

ليكونوا بنعمته إخوانا لا مثار بينهم للعداوات التي تفرق بين الناس بعصبيات

الأنساب والأقوام والأوطان والألسنة، فكتب صلى الله عليه وسلم كتبه إلى قيصر

الروم وكسرى الفرس ومقوقس مصر بلغة الإسلام العربية ككتبه إلى ملوك العرب

وأمرائهم، وبلغ أصحابه ما أمر الله به أمته من تعميم الدعوة، وبشرهم بأن نورها

سينتشر ما بين المشرق والمغرب، فصدع الصحابة والتابعون لهديهم، وجميع دول

الإسلام من بعدهم، بما أمروا به من نشر هذا الدين بلغته، في كلا قسمي شريعته،

عبادته وحكومته.

فكان الإسلام ينتشر في شعوب الأعاجم من قارات الأرض الثلاث (آسية

وأفريقية وأوربة) بلغته العربية، فيقبل الداخلون فيه على تعلم هذه اللغة بباعث

العقيدة، وضرورة إقامة الفريضة، ولا سيما فريضة الصلاة التي هي عماد الدين،

وأعظم أركانه بعد التصريح بالشهادتين اللتين هما عنوان الدخول فيه، على أنهما

من أعمال الصلاة أيضا، فكان تعلم العربية من ضروريات الإسلام، عند جميع

تلك الشعوب والأقوام، بالإجماع العلمي العملي، التعبدي والسياسي إلا ما كان من

تقصير دولة الترك العثمانيين، بعدم جعل العربية لغة رسمية للدواوين، كسلفهم من

السلجوقيين والبويهيين، حتى بعد تنحلهم للخلافة الإسلامية، ورفع ألويتهم على

مهد الإسلام من البلاد الحجازية، فآل ذلك إلى التعارض والتعادي بين العصبية

التركية اللغوية ورابطة الإسلام، فالتفرق والتقاتل بين الترك والعرب , فإلغاء

الخلافة العثمانية فإسقاط دولة آل عثمان، وتأليف جمهورية تركية العصبية والتربية

والتعليم، أوربية العادات والتقنين والتشريع، وإبطال ما كان في الدولة من

المصالح الإسلامية، كمشيخة الإسلام والأوقاف والمدارس الدينية والمحاكم الشرعية

وصرحوا بأن حكومتهم هذه مدنية لا دينية، وأنهم فصلوا بين الدين والدولة فصلا

باتا كما فعلت الشعوب الإفرنجية، على أنهم لما وضعوا قانون هذه الجمهورية قبل

التجرؤ على كل ما ذكر، وضعوا في مواده أن الدين الرسمي للدولة هو الإسلام

مراعاة للشعب التركي المسلم، كما وضعوا فيه مواد أخرى تنافي الإسلام , من

استقلال المجلس الوطني المنتخب بالتشريع بلا قيد ولا شرط، ومن إباحة الردة

واستحلال ما حرم الشرع، وظهر أثر ذلك بالقول والفعل، كالطعن الصريح في

الدين والاستهزاء به حتى في الصحف العامة، وكإباحة الزنا والسكر للمسلمين

والمسلمات، وبروز النساء التركيات في معاهد الفسق ومحافل الرقص كاسيات

عاريات، مائلات مميلات - إلى غير ذلك من منافيات الدين.

ولكن هذا كله لم يرو غليل العصبية اللغوية التورانية، ولم يذهب بحقدها

على الرابطة الإسلامية وآدابها الدينية العربية، بل كان من كيدها لها السعي لإزالة

كل ما هو عربي من نفس الشعب التركي ولسانه وعقله ووجدانه؛ ليسهل عليهم

سله من الإسلام بمعونة التربية الجديدة والتعليم العام، بل عمدوا إلى هذه الشجرة

الطيبة الثابت أصلها، الراسخ في أرض الحق والعدل والفضل عرقها، الممتد في

أعالي السماء فرعها، التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، عمدوا إليها لاجتثاث

أصلها، واقتلاع جذرها، بعد ما كان من التحاء عودها، وامتلاخ أملودها، وخضد

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٣