تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تأييدا وهو أن رجال السياسة ولو كانوا في أنفسهم غير متمسكين بالدين , يقدرون

قدر نفوذه على الخلق , ويجتهدون أن يستثمروه لفائدة حكوماتهم.

ومن الفضول أن نذكر للمكابر ما بذلته حكومة هولندة من المساعي في تغيير

عقائد مسلمي الجاوى وسومطرة بواسطة الرسالات التبشيرية , وكونها وقفت

لتنصير بضعة عشر ألف مسلم , ولكن لما رأى الهولنديون أن هذا العدد قليل

بالقياس إلى الخمسة والثلاثين أو الأربعين مليون مسلم القاطنين بتلك الجزائر خطر

ببال بعض نواب مجلس الأمة في هولندة أن يقترحوا على الحكومة عدم الاعتراف

بإسلام أكثر من خمسة ملايين منهم , وهؤلاء الذين أسلموا منذ أربعة قرون، وأما

الذين أسلموا منذ القرن الماضي أو الحالي فلا يعتبرون مسلمين , ولم يمنع الحكومة

الهولندية أن تأخذ بهذا الرأي سوى قيام بعض العقلاء المحنكين ممن خبروا أحوال

تلك البلاد , وتحذيرهم من العمل بهذا الرأي الذي إن كان له أقل حظ من الإجراء

ثارت هناك ثورة لا نهاية لها , وقالوا لأولئك المقترحين: إن الخمسة والثلاثين

مليون مسلم هناك القديم منهم في الإسلام , والحديث هم في درجة واحدة من

الاعتصام بدينهم , فلا نجني من هذا الرأي إلا الثورة , فيا ليت شعري إذا كانت

هولندة لا فرق عندها بين المسيحي والمسلم , ولا تنظر إلى الدين فلماذا يهمها إلى

هذه الدرجة أن يخرج رعاياها المسلمون من الإسلام فيما لو أمكن؟ ولماذا تخصص

فرنسة في جزائر الغرب جوائز لا تعطى إلا للأوربي أو اليهودي أو المسلم الذي

يرضى أن يتنصر؟

وليقل لي المكابر أي علاقة من جهة القومية أو الوطنية بين الإنكليز وبين

النساطرة في العراق حتى نظمت منهم جيشا , واتخذتهم لها بطانة منذ أول احتلالها؟

بل أية علاقة بين الإنكليز والأرمن إن لم تكن العلاقة الدينية؟ فإن قيل: إن

سبب انعطاف الإنكليز وسائر الأوربيين نحو الأرمن هو كونهم أصيبوا ونكبوا وتلك

المذابح التي جرت , أجبناك أفلا توجد أمم وأقوام إسلامية أصيبت ونكبت وذبحها

المتغلبون عليها بعشرات الألوف , فهل هز ذلك من أوربا أقل عاطفة؟ أفلم ينكب

الجركس وأهل الطاغستان سنة 1866 وأجلى منهم الروس بقية السيوف وهم

نصف مليون نسمة إلى الأناضول , فمات أكثرهم بالحمى والجوع، فمن من أمم

أوربة اهتز لمصيبتهم؟ أفلم يذبح الأرمن هؤلاء عشرات ألوف من مسلمي شرقي

الأناضول؟ وروى القائد العام الروسي الذي كان يحارب الأتراك في جهة أرضروم

أنه لولاه لم يدع الأرمن مسلما واحدا بعد انهزام الأتراك عن أرضروم وطرابزون

ووان , وورد في تقاريره وتقارير غيره من قواد الروس إلى حكومتهم - وهي

تقارير قد طبعت بعد الحرب - تفاصيل فظائع أوقعها الأرمن بالمسلمين , لا يكاد

الإنسان يصدقها لولا ورودها في تقريرات رسمية من قواد الجيش الروسي أعداء

الترك إلى مراجعهم , يخبرونهم بوقائع الحال , ومن جملتها أن الأرمن كانوا

يجمعون المئات والألوف من الأتراك والأكراد إلى الجوامع رجالا ونساء وأطفالا ,

ويشبون فيها النار فتحترق بكل من فيها , وأنهم كانوا يحفرون أخاديد وحفرا يدفنون

فيها المسلمين أحياء بين رجال ونساء وأطفال (وفي مرة أخرى نذكر هذه الوقائع

تفصيلا نقلا عن تقريرات القواد الروس؛ لأنها ليست تحت يدي في هذه الساعة)

وفي أحد المواضع التي ذهب عن بالي اسمها الآن دفنوا ثمانمائة نسمة أحياء منهم

كثير من النساء والأطفال.

هذه شهادات الروس عدا شهادات غيرهم ممن شهد بعينه من الإفرنج , وروى

الحق فلندع جانبا شهادات الأتراك , وهذا لا يمنع قولنا: إن الأرمن أيضا ذاقوا من

النكبات ما هو عبرة في التاريخ , وخلت منهم جميعا الأناضول، ولسنا نحاول

تخفيف أخبار مصائبهم , ولكننا نقول: إن أوربة تهتز كلها لمصيبتهم ولا تتحرك

لها عاطفة تذكر لمصيبة المسلمين فلماذا؟ أتراه لكون الأرمن أوربيين؟ كلا , إن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٢٢