تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بتنصير من يتنصر من السنغاليين , وتقديم اسم النصارى على اسم المسلمين من في

الدفاتر الرسمية , وكذلك تقديم بطريرك الموارنة على مفتي الإسلام في المحافل ,

وتهديد المفتي بما يسوءه إن أبى الخضوع لهذه القاعدة , فأراد المسيو هريو أن

يسهل مأمورية فرنسة في سورية , بإقصاء المندوبين الذين ينفرون المسلمين

بسياستهم الكاثوليكية , وإرسال مندوب سام معروف بكره الأكليروس تزلفا إلى

الإسلام، ومع هذا لم يخل هذا الانتخاب من إثارة الاعتراضات من جهة الأحزاب

الوطنية بفرنسة , حتى إن المسيو ميلران رئيس الجمهورية السابق اعترض عليه

في خطابه.

ومن العبث أن تقول للمكابر في المشهودات: إن الشيء الذي أنت تبرئ

أوربة منه وتتحمل له صنوف التأويلات إذا وقع لا تتنصل أوربة منه ولا تجده

إرا، وإن بعض وزراء الإنكليز صرح أثناء حرب البلقان بكونه مغتبطا

برجوع مدينة سلانيك إلى النصرانية؛ لكونها من مهاد النصرانية , وإن الدول

البلقانيات الأربع عندما أعلن الحرب على تركيا كان بلاغهن متضمنا أن حربهن

لتركيا هو حرب الصليب للهلال، ولو علمت تلك الدول أن بلاغا مفرغا في هذا

القالب يسوء وقعه في أوربة ما كانت حررته بهذه الصورة , بل لك أن تقول: إنها

ما حررته بهذا الشكل إلا استمالة للرأي العام الأوربي , ولا تنس خطاب ألفونسو

الثالث عشر ملك أسبانية الذي كان من جملة نقاط القدح الذي قدحه فيه

الكاتب الروائي الأسبانيولي بياسكو إيبا نيز هو قول الملك: (إن أسبانية اشتهرت

من القديم بقتال المسلمين , وهذه النوبة هي مصممة على أن لا تترك قتال

مسلمي الريف حتى تنصب الصليب هناك محل الهلال) وغير ذلك من الألفاظ

التي يقول الكاتب الأسبانيولي: إنها زادت هيجان المسلمين , وكانت السبب في

إتلاف الألوف من مهج الأسبانيول , وإن الملك مسئول عن ذلك بحماقته - أي

بإعلانه ما كان يجب أن يعمل ولا يعلن - ومع كون إيبانيز أصاب في انتقاده , فهو

اليوم تحت المحاكمة في فرنسة من أجل طعنه بالملك ألفونسو هذا.

ومن العبث أيضا أن يستشهد الإنسان على عواطف أوربة الدينية , بل على

سياستها الدينية بما تبذله الحكومات من الأموال الجزيلة في المستعمرات مساعدة

للبعثات الدينية الساعية في تنصير أهالي آسية وأفريقية , ولو كان المراد

تنصيرهم هم الفتيثيين أو الوثنيين لكان هذا نعم العمل , لكن البعثات الدينية غير

مكتفية بتنصير الوثنيين بل تدأب أيضا في تنصير المسلمين بجميع الوسائل ,

وتسابق المسلمين إلى استمالة الوثنيين منادية بالويل والثبور وعظائم الأمور فيما لو

أسلم الوثنيون.

وإنك لتجد في أواسط أفريقية وغربيها وجنوبيها وماداغسكر وشرقي أفريقية

بعثات دينية بروتستانية وكاثوليكية , لا تعد ولا تحصى كلها تنفق القناطير المقنطرة

من الذهب , تحميها حكومات أوربة وأميركا بأجمعها , وتؤيدها بالأموال والنفوذ

وبكل وسيلة , وقد تتعرض للدعاية الإسلامية بقدر الإمكان وتضيق عليها , كما فعل

ضباط الإنكليز في الأوغاندة عندما رأوا انتشار الإسلام بين أهالي تلك البلاد ,

فوقفوا سدا حائلا في وجهه , بل قاوموا البعثات الكاثوليكية , ليخلو الجو للدعاية

البروتستانية، وكذلك الحكومة الفرنسية في ماداغسكر تقاوم دخول من يدخل من

الماداغسكريين في الإسلام , ولا تريد أن تعترف رسميا بوجود مسلمين في تلك

الجزيرة حتى لا يتحول جانب كبير من أهلها إلى الإسلام , فأنت ترى من هذا

وغيره وألف مثال يضيق المكان عن استيفائها أن السياسة الأوربية ليست بمعزل

عن الدين ألبتة ولو كابر المكابر وناكر المناكر.

وقد يقول: إن هذه الحماية التي تبسطها حكومات أوربة للرسالات الدينية

المنتشرة في كل أفريقية وآسية وجزر الأوقيانوس إنما تقصد بها مآرب استعمارية

لا دينية محضة , وهذا لا يضر شيئا في جوهر الموضوع , بل يزيد موضوعنا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٢١