تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

52.15-16

تأمل هذا التوبيخ والتقريع، فقد كانوا يتهمون الرسول ويقولون ساحر ويقولون للقرآن سحر، فالآن يخاطبهم بنفس كلمتهم، يقول لهم ﴿ أفسحر هذا.. ﴾ [الطور: 15] أي: هذا العذاب الذي تقاسونه أهو سحر؟ السحر تخييل لا تتألمون منه، لكنكم تتألمون. إذن: ليس سحرا بل هو حقيقة ﴿ أم أنتم لا تبصرون ﴾ [الطور: 15] إما هذه وإما هذه. ﴿ اصلوها.. ﴾ [الطور: 16] ادخلوها أي جهنم، وذوقوا حرها وعذابها. ﴿ فاصبروا أو لا تصبروا.. ﴾ [الطور: 16] هذه أول مرة نرى الصبر لا فائدة منه، وليس لهم أجر، إنه صبر هؤلاء على حر جهنم. ﴿ سوآء عليكم.. ﴾ [الطور: 16] يستوي عندنا صبرتم أو لم تصبروا، فالأمران سيان، ولن تخرجوا منها أبدا، وهذا ليس ظلما لهم إنما جزاء وفاقا. ﴿ إنما تجزون ما كنتم تعملون ﴾ [الطور: 16] لم نأت بشيء من عندنا، إنما هي أعمالكم نوفيكم إياها، فأنتم الذين وضعتم أنفسكم هذا الموضع.

52.17-19

ذكر المتقابلات سمة من سمات الأسلوب القرآني، ومظهر من مظاهر عظمته، فكما قلنا: الضد يظهر حسنه الضد، لذلك كثيرا ما نقرأ هذه المتقابلات كما في قوله سبحانه:

إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم

[الانفطار: 13-14]. وهنا بعد أن تكلم عن الكافرين وجزائهم في جهنم والعياذ بالله يحدثنا سبحانه عن المتقين وما ينتظرهم من النعيم. فساعة نقرأ هذه الآيات ونستحضر الصورتين المتقابلتين يقول المؤمن: الحمد لله أن إيماني أنقذني من هذا المصير المخزي. ويقول الكافر: يا حسرتي لقد أبعدني الكفر وحرمني هذا النعيم. فالمقابلة تفرح المؤمن وتحزن الكافر، تعز المؤمن وتذل الكافر، لذلك قال تعالى:

فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز..

[آل عمران: 185]. وقوله تعالى: ﴿ إن المتقين.. ﴾ [الطور: 17] معنى التقوى أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية، وقلنا: إن الحق سبحانه قال:

اتقوا الله..

[البقرة: 278] وقال:

فاتقوا النار..

[البقرة: 24] والمعنى واحد هو أن تجعل بينك وبين صفات الجلال لله وقاية، وحين تقي نفسك من النار فإنك تقي نفسك من الله، لأنها جند من جنود الله. وتلاحظ هنا ﴿ إن المتقين في جنات ونعيم ﴾ [الطور: 17] المتقين جمع وجنات جمع. وهذا يعني أن لكل متق جنة خاصة به، كما لو قلنا للتلاميذ: أخرجوا كتبكم. أي: ليخرج كل واحد منكم كتابه، فمقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحادا. لذلك قلنا في آية الرحمن:

ولمن خاف مقام ربه جنتان

[الرحمن: 46] فكيف نجمع بينهما؟ قالوا: جنتان، لأن الحديث هنا عن الإنس والجن الثقلان

سنفرغ لكم أيه الثقلان

[الرحمن: 31]. فالمراد: من خاف مقام ربه من الجن له جنة، ومن خاف مقام ربه من الإنس له جنة. وحرف الجر ﴿ في جنات.. ﴾ [الطور: 17] يعني: أن الجنات ظرف والمتقين مظروف، الجنة محيطة بالمتقي، ثم قال: ﴿ ونعيم ﴾ [الطور: 17] لأن من في الجنة ليس بالضرورة أن يكون في نعيم. كما نرى مثلا الباشا يجلس في حديقة منزله، وفيها الأشجار والزهور والثمار، وعنده العامل يقصف الأشجار يقلمها ويرويها، فالحديقة نعيم فقط لصحابها، لكنها لست نعيما لمن يعمل فيها. أما هؤلاء المتقون فهم في جنات وفي نعيم، فهم يتنعمون فيها، لذلك أكد الحق سبحانه هذا المعنى، فقال بعدها: ﴿ فاكهين بمآ آتاهم ربهم.. ﴾ [الطور: 18] أي: فاكهين بما هم فيه من النعيم، وفاكهين يعني: فرحين. هذه إضافة أخرى لأن الإنسان قد يكون في جنة وفي نعيم لكنه غير فرح بما هو فيه. وهذه المسألة رأيناها مثلا في مصر بعد الثورة، حيث رأينا الباشا فلان عنده الحدائق والبساتين وفيها ألوان الفاكهة والثمار ويأكل منها، لكنه غير فرح بها وينغصها عليه خوف التأميم، لأنهم كانوا يأخذون الأرض منهم ويؤممونها للدولة، فهو في جنة، وفي نعيم، لكنه غير فاكه بها.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٦٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٦٣٦