تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة "

، وبدأ النبوة بالرؤيا الصالحة لأنها تأتي والإنسان نائم، وليس له خواطر خاصة في شهوة أو خلافة. وقوله تعالى: ﴿ فجعل من دون ذلك فتحا قريبا ﴾ [الفتح: 27] أي: جعل من بعد صلح الحديبية ورجوعهم بدون عمرة فتحا قريبا للإسلام وللمسلمين. وهذا الفتح من عدة وجوه: أولا الهدنة مع قريش والتصالح معها، وهذا التصالح أعطى فرصة لنشر الدعوة خارج مكة، حيث تفرغ المسلمون لذلك بعد أن أمنوا جانب قريش. وهذا يعني أيضا الاعتراف بمحمد وبدعوته واحترام العهد معه، فقد أصبح للإسلام كلمة تسمع بعد أن كان مضطهدا.

ثم كان هذا الصلح عزة للمسلمين، كما قال تعالى

وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها..

[الفتح: 26] كلمة الله هي كلمة لا إله إلا الله، لذلك قال فيها

إن أكرمكم عند الله أتقاكم..

[الحجرات: 13] فالكرامة هنا، وإياكم أن تظنوا أن قريشا حين تصدكم عن المسجد الحرام أن هذا يعني عزة لها، أبدا لأن العزة لله والكرامة عند الله بالتقوى، لا بالطيش والغرور بالقوة الكاذبة. والرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الصلح يعطينا درسا في الحنكة السياسية، فقد قبل الصلح مع الكفار، وقبل أن يعود هو وأصحابه دون دخول مكة هذا العام وهم على مقربة منها، لأن في ذلك صالح المسلمين والإسلام، حتى إنه في أثناء المعاهدة تنازل عن أشياء ما كان أحد يظن أنه يتنازل عنها. فلما جاءوا لكتابة المعاهدة أملى رسول الله الكاتب وهو الإمام علي: هذا ما تعاهد عليه محمد رسول الله، فقال سهيل بن عمرو: لا لو كنا نعلم أنك رسول الله ما حاربناك ولا وقفنا منك هذا الموقف، فرد عليه رسول الله: بل اكتب محمد بن عبد الله ونزل على رأي سهيل بن عمرو لكن اعترض علي. وقال: بل اكتب رسول الله، فقال له رسول الله: اكتبها وستسام مثلها فتقبل. وفعلا مرت السنوات، وحدث الخلاف بين علي ومعاوية ولما انتهيا للصلح. قال علي: اكتب، هذا ما تعاقد عليه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، فاعترضوا على كلمة أمير المؤمنين وقالوا: لو نعلم أنك أمير المؤمنين ما قاتلناك فرضي بها وكتب: علي بن أبي طالب. وكانت هذه المسألة علامة من علامات النبوة. وأيضا لما أملى الرسول صلى الله عليه وسلم في أول العقد: بسم الله الرحمن الرحيم فرفضوا كتابتها وقالوا: نحن لا نعرف هذا، بل اكتب: باسمك اللهم فرضي بها أيضا سيدنا رسول الله. وهذه كلها تنازلات من رسول الله، جاءت مراعاة لمصلحة الإسلام والمسلمين في إطار ﴿ فعلم ما لم تعلموا.. ﴾ [الفتح: 27] وكانت النتيجة ﴿ فجعل من دون ذلك فتحا قريبا ﴾ [الفتح: 27] وفعلا بعد هذا الصلح توالت الفتوحات بعد أن أمنوا شر قريش لمدة عشر سنوات.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٥٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٥٥٨