تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هؤلاء القوم في قصصهم أو في قصتهم عبرة عظيمة حيث حماهم الله عز وجل من تسلط أولئك المشركين عليهم وآواهم في ذلك الغار هذه المدة الطويلة من غير أن يتغير منهم شيء وجعل سبحانه وتعالى يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال لئلا تتأثر الجنوب التي يكون عليها النوم وحماهم الله عز وجل بكون من اطلع عليهم يولي فرارا ويملأ منهم رعبا والخلاصة التي تستخلص من هذه القصة هي أن كل من التجأ إلى الله عز وجل فإن الله تعالى يحميه بأسباب قد يدركها وقد لا يدركها وهو مصداق قوله تعالى (إن الله يدافع عن الذين آمنوا) فإن مدافعة الله عن المؤمنين قد تكون بأسباب معلومة وقد تكون بأسباب مجهولة لهم فهذا يرشدنا إلى أن نحقق الإيمان بالله عز وجل والقيام بطاعته وأما أصحاب السبت فإن قصتهم أيضا عجيبة وفيها عبر أصحاب السبت أهل مدينة من اليهود حرم الله عليهم صيد الحيتان يوم السبت وابتلاهم الله عز وجل حيث كانت الحيتان يوم السبت تأتي شرعا على ظهر الماء كثيرة وفي غير يوم السبت لا تأتي فضاق عليهم الأمر وقالوا كيف ندع هذه الحيتان لكنهم قالوا إن الله حرم علينا أن نصيدها في يوم السبت فلجؤوا إلى حيلة فوضعوا شباكا في يوم الجمعة فإذا كان يوم السبت وجاءت الحيتان ودخلت في هذا الشباك انحبست بها فإذا كان يوم الأحد جاؤوا فأخذوها فقالوا إننا لم نأخذ الحيتان يوم السبت وإنما أخذناها يوم الأحد ظنوا أن هذا التحيل على محارم الله ينفعهم ولكنه بالعكس فإن الله تعالى جعلهم قردة خاسئين قال الله تعالى (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين) ففي هذه القصة من العبر أن من تحيل على محارم الله فإن حيلته لا تنفعه وأن التحيل على المحارم من خصال اليهود وفيها أيضا من العبر ما تدل عليه القصة في سورة الأعراف (واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون *وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون * فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون) فقد أنقسم أهل هذه القرية إلى ثلاثة أقسام قسم اعتدوا وفعلوا ما حرم الله عليهم بهذه الحيلة وقسم نهوهم عن هذا الأمر وأنكروا عليهم وقسم سكتوا بل ثبطوا الناهين عن المنكر وقالوا لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا وقد بين الله سبحانه وتعالى أنه أنجى الذين ينهون عن السوء وأنه أخذ الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون وسكت عن الطائفة الثالثة وفيه دليل على خطورة هذا الأمر أي على خطورة من كان ينهى الناهين عن السوء فيقولون مثلا إن الناس لن يبالوا بكلامكم ولن يأتمروا بالمعروف ولن ينتهوا عن المنكر وما أشبه ذلك من التثبيط عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفيه أيضا دليل على أنه يجب على الإنسان أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر سواء ظن أنه ينفع أم لن ينفع معذرة إلى الله ولعل المنهي يتقي الله عز وجل.

***

فتاوى نور على الدرب · الجزء ٥ · الصفحة ٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتاوى نور على الدربج ٥ · ص ٨٦