***
يقول السائل ما تفسير قول الله تعالى (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذه الآية حينما نزلت على الصحابة رضي الله عنهم شق عليهم ذلك وجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم جاثين على ركبهم يرجون التخفيف فقال النبي صلى الله عليه وسلم (قولوا سمعنا وأطعنا) فقالوا (سمعنا وأطعنا) فخفف الله عنهم وأنزل قوله (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين) فرفع الله عنهم التكليف إلا فيما كان تحت طاقتهم ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام (إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم) فحديث النفس مهما بلغ من الفحش والقبح لا يضر ما دام الإنسان كارها له غير راكن إليه فإنه لا يضره لقوله تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) .
***
يقول السائل كيف نجمع بين قوله تعالى (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) وبين معنى الحديث الشريف الذي هو (إن الله تجاوز عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ما حدثت به أنفسها ما لم تفعله أو تتكلم به) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الجمع بين هذه الآية وبين الحديث الذي أشرت إليه هو في قوله تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) فما كان بوسع الإنسان فإنه مؤاخذ به وما كان ليس بوسعه فهو غير مؤاخذ به فقوله تعالى (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) جاءت الآية بعده (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) فالخواطر التي ترد على المرء ولا يركن إليها ولا يطمئن لها وإنما هو حديث نفس عابر لا يركن إليه ولا يأخذ به هذا لا يؤاخذ به لأنه فوق طاقة المرء أما إذا كانت الهواجس التي ترد على القلب يطمئن إليها الإنسان ويأخذ بها فإنه عمل يؤاخذ به العبد ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) وأخبر عليه الصلاة والسلام عن الرجل يقاتل أخاه المسلم فقال عليه الصلاة والسلام (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قالوا يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال لأنه كان حريصا على قتل صاحبه) فالمهم أن ما يرد على القلب إذا اطمأن إليه الإنسان وأخذ به واعتبره فإنه يؤاخذ عليه أما الهواجس التي تطرأ ويحدث الإنسان نفسه فيها ولكنه لا يركن إليها فلا يؤاخذ بها مثل لو كان يحدث الإنسان نفسه هل يطلق زوجته أو لا نقول إن الزوجة لا تطلق حتى لو نوى أن يطلقها فإنها لا تطلق لأن الطلاق لا يكون إلا بالقول أو بما يدل عليه من الفعل كالكتابة ولا يؤاخذ بهذا وكذلك لو نوى أن يتصدق بهذه الدراهم وعزم ولكنه ما دفعها إلى الآن فإنه لا يلزمه التصدق بها سواء نواها لشخص معين أو نواها صدقة ولم يعين من يتصدق بها عليه فإنه لا تلزمه الصدقة.
***