في الحقيقة أمور العبادة أمور مردها إلى الشرع ، فالله-- عز وجل --من حكمته يفرق بين المتماثلين ، ويجمع بين المتناقضين ؛ حتى يعلم المكلف أنه مكلف ومأمور ، وما عليه إلا التسليم ، ولو كانت الأوامر والنواهي تأتي على سنن واحد لكان الناس لايقبلون إلا ما تعقّلوا عِلَلَه ، ولكن كونه يجمع بين الضدين ، ويكون الشيء مع الشيء خارجاً من موضع واحد أحدهما نجس والثاني طاهر فهذا بحكم الشرع ، والشرع يجمع بين المتضادين ، وكذلك أيضاً يفرق بين المتماثلين في الحكم ، وكل ذلك على سبيل التعبد ، وهناك وجه لبعض العلماء بأن هناك فرقاً بين أصل المني وأصل المذي ، وقالوا : إن المذي أشبه بالبول بخلاف المني فإنه ليس بشبيه بالبول ولا في حكم البول ، ولذلك مخرجه غير مخرج البول من جهة طباعه وخصائصه وعند قذف العضو له ، ففرقوا بينهما لوجود الفرق حتى في أصلهما ، إضافة إلى أن المني أصله غير أصل البول الذي يكون من فضلات الإنسان ، والمذي في حكم فضلة المني ، وفضلة الشيء قد تأخذ حكم النجاسة مع طهارة الأصل نفسه ، وهذا إذا اشتد قذر الشيء ، وقد يكون العكس تكون فضلة النجس طاهرة ، كما هو الحال في الخل والخمر ، فالخمر إذا تخللت صارت طاهرة ، والطاهر كالتمر والعنب إذا انتُبِذَ وتغير لونه وتغيرت رائحته فإنه يصير خمراً نجساً مع أن أصله طاهر ، فالشيء قد يكون أصله طاهراً ويصير إلى نجاسة كالعنب إذا تخمر ، ويكون طاهراً مع أن أصله نجس كما هو الحال في الخل فإن أصله من الخمر ، وقد قال-- صلى الله عليه وسلم -- :(( نعم الإدام الخل )) ، وحكم بطهارته ، وبالإجماع على أن الخمر إذا تخللت بنفسها فإنها طاهرة .
فالمقصود أن الشرع قد يجمع بين المتماثلين من باب التعبد ، وقد يفرق بين المتماثلين من باب التعبد حتى يعلم الإنسان أنه مأمور ، وأن هذا على سبيل الإلزام فيكون الأمر على التسليم أقرب منه إلىكونه معقول المعنى ، والله تعالى أعلم .
السؤال الرابع :