وقوله" فضل طهور المرأة " : أي فضل الماء الذي تطهرت به المرأة ، وظاهر هذا أن الحكم يختص بما توضأت به المرأة أو اغتسلت ، ولكن لو شربت المرأة من إناء وأردت أن تتوضأ به فإنه يجوز لك أن تتوضأ بفضل ما شربت ، ولا يضر كونها أفضلت الماء بعد شربها ؛ لأن النبي-- صلى الله عليه وسلم -- شرب سؤر أم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها وأرضاها- ففي الحديث الصحيح عنها أنها قالت : " إن كان يُدنى الشراب إلى رسول الله- - صلى الله عليه وسلم -- فيقسم علي فأشرب ، ثم يأخذ الإناء فيضع فمه حيث وضعت فمي فيشرب"-صلوات الله وسلامه عليه- ، فدل هذا الحديث على أن سؤر المرأة يعتبر طاهراً ، وأنه يجوز للإنسان أن يتوضأ ويغتسل من الماء الذي شربت منه المرأة ، ولذلك يقوى الحكم هنا بكون المسألة تعبدية ، وعلى المرء السمع والطاعة والبعد عن التكلف والتنطع في الدين ، فبعض من الناس لا يسلم الأحكام إلا إذا تعقّل العلة ، وسأل عن العلة والسبب في ذلك ، ولا شك أن الأصل في المسلم أنه يسلّم بحكم الله ورسوله-صلوات الله وسلامه عليه- ، والله-- سبحانه وتعالى -- يبتلي عباده بما شاء ، ولا يجوز للإنسان أن يتكلف في بحث العلة والحكمة من هذا النهي ، وإنما عليه أن يرضى ويسلّم على الأصل في المسلم ، قال-تعالى-:﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾(1).
وقوله" نهى رسول الله - - صلى الله عليه وسلم --عن فضل طهور المرأة " : الطَّهور بالفتح : هو الماء الذي يتطهر به ، وأما بالضم فهو فعل الطهارة سواءً كانت اغتسالاً أوكانت وضوءاً ، وظاهر قوله : (( فضل الطهور)) التخصيص كما ذكرنا ، وعلى هذا فلا يشمل لو كانت المرأة اغترفت من الإناء لغسل رجل أو يد ، ولم تقصد بذلك أن تتطهر من الماء ، وهذه كله يقوي جوانب التعبد التي ذكرناها.