والمضمضة والاستنشاق فيهما فوائد عظيمة ، وكذلك ترتيب الشرع لها فيه حكمة بديعة ذكرها بعض السلف -رحمة الله عليهم- ، فأما فوائد المضمضة فإنها تزيل الأذى الموجود في فم الإنسان ، وتزيل ما ثمَّ من الروائح الكريهة والنتن ، فيقوم المصلي بين يدي الله-- عز وجل -- طاهر الفم نقياً من الأدران والقذر ، ويتلو كتاب الله-- عز وجل -- فكما طيب نفسه معنىً بتلاوته يطيب لسانه بالحس ، فلذلك قالوا إن لها فضيلة النقاء والطهارة إضافة إلى ما فيها من القربة والاحتساب ، قال العلماء : يبتدئ المكلف بإدخال الماء إلى فمه ثم يرفعه إلى أنفه ثم يغسل به وجهه وفي هذه حكمة ذكر بعض العلماء عن الأطباء من العلماء المتقدمين أن هذا الترتيب فيه سر بديع وذلك أن الإنسان يدرك الشيء إما بشمه وإما بذوقه ، وفي الفم قدرة على دفع الأذى أكثر من الأنف ، وفي الأنف قدرة على دفع الضرر أكثر من العين ، فلو أن إنساناً أخذ ماءً قذراً ، أو كان الماء فيه ضرر أو شديد اللذع أو فيه ما فيه من الأذى ، فإنك إذا أدخلته في فمك أدركت الأذى وأمكنك أن تتلافى الضرر ، ثم إذا كان هذا الشئ الذي فيه الضرر ضرره في الذوق كاللاذع والحامض فإنك تدركه بذوق اللسان فلا تستنشق به ولا تغسل وجهك ويمكنك أن تدفع الضرر قبل وصوله إلى العين والأنف ، وأما إذا كان الضرر الموجود فيه يمكنك أن تكتشفه بالشم والرائحة فإنه بعد أن تستنشق يمكنك أن تدرك ذلك عند رفعه إلى الأنف ، فحينئذٍ تسلم العين من الضرر ، ولذلك يقول بعض الأطباء المعاصرين : إن في الجسم ما يعين على دفع الضرر عنه وذلك في الفم أقوى منه في الأنف وفي الأنف أقوى منه في العين ، ولو تصورنا أن إنساناً أحضر الماء القذر وهو لا يدري أنه قذر لمكان ظلمة في ليل أو نحو ذلك ثم أخذه وغسل به وجهه مباشرة فإن العين ستتضرر ولكنه إذا تمضمض واستنشق أدرك هذا الضرر قبل أن يصل إلى العين التي هي أضعف في دفع الضرر ، ولله الحكمة البالغة
شرح سنن الترمذي · الصفحة ٤٦٠
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرح سنن الترمذيص ٤٦٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي