قيَّض الله لهذه السنة من حفظها وحافظ عليها ووعاها قيَّض لها دواوين العلم من الرجال الأمناء والثقات الأكفاء الذين أحبوا سنة رسول الله-?- صدق المحبة ، أُمَّةٌ بذلت أوقاتَها وأعمارَها في خدمة هذه السُّنَّةِ الكريمة .!! الله أعلم كم تحمَّلوا من مشاق ومتاعب!! تغرَّبوا عن الأوطان وفارقوا الأهل والولدان حتى نحلت أجسادهم ، واصفرَّت ألوانهم ، ووجدوا من المشقة والعناء ، والضيقِ والبلاء ما لا يعلم قدره إلا اللهُ-?- وكان الواحدُ منهم يتعب وينصب من أجل أن يسمع حديثاً عن رسول الله-?- وإذا وجد رجلاً من أهل السُّنَّة عضَّ عليه بناجذه فسمع منه ، ولازمه ، وأحبَّه ، وأخذ عنه ، واهتدى بهديه فما زالت هذه الأمة التى حفظت حديث رسول الله-?- محفوظهً من الهوى والردى بما حفظت من هدْيِه الكريم-?- وكان لهم عظيم البلاء في الدين حتى إنهم حفظوا هذه السُّنة فبلَّغها كلُّ جيلٍ إلى مَنْ بعدَه ، وكل رعيلٍ إلى مَنْ بعدَه ، فحُفِظت سُنَّة رسول الله-?- على أكمل وأجمل ما يكون عليه الحفظ ولم يقتصر أمرهم عند ذلك بل إنهم حرصوا على معرفة الرواة الذين نقلوا حديث رسول الله-?- حفِظوا أسماءَهم ، وأنسابَهم وديارَهم ، وأحوالَهم ، وكذلك كانوا على أدقِّ ما يكون في تمييز من وقعت الشبهة في اسمه ونسبه حتى كان لهم في ذلك من البلاء ما الله به عليم ، وكلُّ مَنْ نظر في علم الرجال والجرح والتعديل أدرك عظيمَ بلائهم ، وَعَلِمَ جليل ما قدَّموا لهذه الأمة من صالح العمل مِمَّا نفع اللهُ به القرون من بعدِهم ، وكان علم الحديث علماً مميَّزاً لا يتقدم إليه كلُّ أحدٍ ، ولا يقومُ به كلُّ أحدٍ وإنمَّا يختصُّ به من عُرِف بالثقة والضبط والأمانة والعدالة والتحفظ فكانوا يُشدِّدون في النقل عن رسول الله-?- ولا يقبلون الرواية من كلِّ أحدٍ ، ولا يأخذونها من كُلِّ مُتكلِّمٍ وإنَّما اقتصروا على من عُرِف بالضبط والأمانة حتَّى عُرِفت الأحاديث وتميَّزت ،
شرح سنن الترمذي · الصفحة ٤٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرح سنن الترمذيص ٤٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي