وقوله : " ولاترحم معنا أحد " : هذا الدعاء وقع على سبيل الجهل من الصحابي فلم يكن على علم بعدم مشروعية هذا النوع من الدعاء ، ولذلك أنكره النبي-- صلى الله عليه وسلم --وقال:(( لقد تحجرت واسعاً)) وقوله : (( تحجرت)) التحجير تفعيل من الحجر ، وأصل الحجر في لغة العرب المنع يقال حجره إذا منعه وحجر عليه إذا منعه من التصرف ومنه سمي الحُجر حجراً لأنه يمنع من طاف بالبيت أن يصل إلى ما بداخله ، وسمي العقل حَجراً كما قال-- سبحانه وتعالى --:﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾(1) أي لذي عقل يمنعه من الأمور التي لا تليق ، فسموا العقل حجراً لأنه يحجر الإنسان ويعقله عما لا يحمد من الأمور فوصف بهذا المعنى فقيل له حَجر وقيل له عقل وقيل له نُهيه لأنه ينهى صاحبه كماقال -- سبحانه وتعالى --:﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى ﴾(2) أي لأولي العقول السليمة والبصائر المستنيرة.
وقوله-صلوات الله وسلامه عليه-: (( واسعاً )) : فيه دليل على سعة رحمة الله-- عز وجل --وأنها لا تختص بمخلوق دون آخر ورحمة الله للعباد تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول : وصفه العلماء بالرحمة العامة . والقسم الثاني : الرحمة الخاصة .
فأما ما كان من الرحمة لله عموم فإنه يشمل الخليقة جميعاً فلا يختص بمسلم دون كافر ، ولذلك رحم الله الخلق أجمعين فسخرلهم مافي السموات ومافي الأرض جميعاً منه وسخر لهم الشمس والقمر دائبين وسخر لهم الليل والنهار وآتاهم من النعم والخيرات وبسط لهم من الأرزاق التي وضعها في هذا الكون وقدر المقادير ويسر الأمور فجعل ذلك التيسير نقمة على الكافرين واستدراجاً للظالمين ، وجعله رحمة للمؤمنين وخيراً لأوليائه المتقين ليهلك من هلك عن بينة والله -- سبحانه وتعالى --يرحم بالرحمة العامة جميع خلقه حتى تشمل البهائم وغيرها .