والحديث الثاني : فهو حديثنا وقد بينا أن الصحيح من أقوال العلماء-رحمهم الله- أن هذا الحديث غير منسوخ وأنه يدل دلالةً واضحةً على وجوب الوضوء من لحم الإبل.
وفي هذا الحديث أن النبي-- صلى الله عليه وسلم -- سئل والسائل لم يبين من هو وهذا من جهالة السائل وجهالة السائل لا تضر في مثل هذا حيث لا يترتب على ذلك كبير فائدة .
وقوله " أن النبي-- صلى الله عليه وسلم --قيل له أنتوضأ من لحوم الغنم": قد جاء هذا اللفظ بقوله"أنتوضأ "وللعلماء في هذا السؤال قولان:
القول الأول : أن مراد السائل الوضوء الشرعي أي هل نتوضأ وضوءاً كاملاً بالغسل والمسح للأعضاء المعهودة شرعاً في الوضوء ؟
والقول الثاني : أن المراد بقوله أنتوضأ : غسل الفم وغسل الكفين لإصابة الطعام لحرمة الوقوف بين يدي الله -- عز وجل -- ؛ والسبب في ذلك أن المصلي إذا صلى وفي فمه رائحة الطعام ولم يتمضمض فإن ذلك يشوش فكره ويصرف نفسه عن كمال الخشوع والحضور وهو واقف بين يدي الله -- عز وجل -- في الصلاة فحملوا الوضوء على هذا الوجه.
والصحيح المذهب الأول أن المراد بالوضوء : الوضوء الشرعي وهو الغسل والمسح للأعضاء المعروفة المعهودة في الطهارة الصغرى والدليل على ذلك أن القاعدة في الأصول : " إذا تعارضت الحقيقة الشرعية واللغوية فإن الواجب تقديم الحقيقة الشرعية على اللغوية ".
وتوضيح ذلك : أن لفظ الوضوء حقيقة تطلق بمعنى الشرع تطلق على معنى لغوي عام وتطلق على معنى شرعي خاص فإذا حاء لفظها في الكتاب والسنة فإن الواجب صرفها على المعهود شرعاً ؛ لأنه هو الظاهر والقوي في الاحتمالين ولذلك يكون قول من قال بالوضوء الشرعي أقوى وأولى وأحرى .