الخمر نجسة باتفاق الأئمة الأربعة وذلك لأن الله قال : ﴿ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾(1) فذكر الخمر والميسر والأنصاب والأزلام الأصل في كلمة رجس في لغة العرب أنه رجس مستقذر والنجس في الشرع إذا أطلق المراد به النجاسة على أكمل صورها حسية ومعنوية حتى يدل الدليل على التخصيص فلما خرجت الأزلام والميسر عن النجاسة الحسية بقيت على النجاسة المعنوية فبقيت الخمر والأنصاب ، فالأنصاب نجسة لأنها كانت تنصب للعبادة ويذبح عليها ، والدم المسفوح الذي يذبح عليها نجس بالاجماع ؛ لأن الله قال :﴿ أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا فَإِنَّهُ رِجْسٌ ﴾(2) والخمر تعتبر باقية على الأصل لأن الأصل عندنا أن نبقي دلالة اللفظ على ظاهرها حتى يدل الدليل على ما دونها فلما خصصنا الميسر والأزلام بدلالة الحس وهذا مسلك أصولي صحيح وهو تخصيص العام بدلالة الحس كما في قوله-تعالى- : ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾(3) فإنها لم تدمر كل شئ على وجه الأرض وإنما دمرت بدلالة الحس ما كان عليه هؤلاء القوم مما كان الدمار عليهم عقوبة وعذاباً من الله -سبحانه- فهذا المسلك الأصولي إنه يبقى العام على عمومه حتى يرد ما يخصصه ولو حساً فخصص الميسر والأزلام بالحس وبقي الخمر والأنصاب على الأصل من حمل الرجس على أقصى دلالة من نجاسة الحس والمعنى تأكد هذا أن النبي-- صلى الله عليه وسلم -- لما سأله أبو ثعلبة الخشني عن أواني أهل الكتاب " إنا بأرض قوم أهل كتاب " فسأله عن هذه الأواني أن يأكلوا ويشربوا فيها فقال : (( لا إلا ألا تجدوا غيرها فاغسلوها)) فأمر-عليه الصلاة والسلام- بغسلها قال العلماء غسلت لأنها إذا كانت لشراب فإنهم يشربون الخمر وإذا كانت لطعام فإنهم يأكلون الخنزير والخمر والخنزير كل منهما نجس ،
(1) / المائدة ، آية :90 .
(2) / الأنعام ، آية : 145.
(3) / الأحقاف ، آية : 25.