تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. ثم ذكر تعالى أن العدل المطلق بين النساء بالغ من الصعوبة مبلغا لا يكاد يطاق، وهو كالخارج عن حد الاستطاعة فقال ﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النسآء ﴾ أي لن تستطيعوا أيها الرجال أن تحققوا العدل التام الكامل بين النساء وتسووا بينهن في المحبة والأنس والاستمتاع ﴿ ولو حرصتم ﴾ أي ولو بذلتم كل جهدكم لأن التسوية في المحبة وميل القلب ليست بمقدور الإنسان ﴿ فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة ﴾ أي لا تميلوا عن المرغوب عنها ميلا كاملا فتجعلوها كالمعلقة التي ليست بذات زوج ولا مطلقة، شبهت بالشيء المعلق بين السماء والأرض، فلا هي مستقرة على الأرض ولا هي في السماء، وهذا من أبلغ التشبيه ﴿ وإن تصلحوا وتتقوا ﴾ أي وإن تصلحوا ما مضى من الجور وتتقوا الله بالتمسك بالعدل ﴿ فإن الله كان غفورا رحيما ﴾ أي يغفر ما فرط منكم ويرحمكم ﴿ وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته ﴾ أي وإن يفارق كل واحد منهما صاحبه، فإن الله يغنيه بفضله ولطفه، بأن يرزقه زوجا خيرا من زوجه، وعيشا أهنأ من عيشه ﴿ وكان الله واسعا حكيما ﴾ أي واسع الفضل على العباد حكيما في تدبيره لهم ﴿ ولله ما في السموت وما في الأرض ﴾ أي ملكا وخلقا وعبيدا ﴿ ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم ﴾ أي وصينا الأولين والآخرين وأمرناكم بما أمرناهم به من امتثال الأمر والطاعة ﴿ أن اتقوا الله ﴾ أي وصيناكم جميعا بتقوى الله وطاعته ﴿ وإن تكفروا فإن لله ما في السموت وما في الأرض ﴾ أي وإن تكفروا فلا يضره تعالى كفركم لأنه مستغن عن العباد وهو المالك لما في السماوات والأرض ﴿ وكان الله غنيا حميدا ﴾ أي غنيا عن خلقه، محمودا في ذاته، لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين ﴿ ولله ما في السموت وما في الأرض وكفى بالله وكيلا ﴾ أي كفى به حافظا لأعمال عباده ﴿ إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين ﴾ أي لو أراد الله لأهلككم وأفناكم وأتى بآخرين غيركم ﴿ وكان الله على ذلك قديرا ﴾ أي قادرا على ذلك ﴿ من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا ﴾ أي من كان يريد بعمله أجر الدنيا فعند الله ما هو أعلى وأسمى وهو أجر الدنيا والآخرة فلم يطلب الأخس ولا يطلب الأعلى؟ فليسأل العبد ربه خيري الدنيا والآخرة فهو تعالى سميع لأقوال العباد بصير بأعمالهم.

البلاغة: تضمنت الآيات أنواعا من الفصاحة والبيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1- الاستعارة في ﴿ أسلم وجهه لله ﴾ استعار الوجه للقصد والجهة وكذلك في قوله ﴿ وأحضرت الأنفس الشح ﴾ لأن الشح لما كان غير مفارق للأنفس ولا متباعد عنها كان كأنه أحضرها وحمل على ملازمتها فاستعار الإحضار للملازمة.

2- الجناس المغاير في ﴿ ضل... ضلالا ﴾ وفي ﴿ خسر... خسرانا ﴾ وفي ﴿ أحسن... محسن ﴾ وفي ﴿ صلحا... والصلح ﴾ وفي ﴿ تميلوا كل الميل ﴾.

3- التشبيه في ﴿ فتذروها كالمعلقة ﴾ وهو مرسل مجمل.

4- الإطناب والإيجاز في عدة مواضع.

تنبيه: العدل المقصود في هذه الآية هو العدل في المحبة القلبية فقط وإلا لتناقضت الآية مع الآية السابقة

فانكحوا ما طاب لكم من النسآء مثنى وثلاث ورباع

[النساء: 3] وقد كان صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل ويقول

" اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك "

يعني بذلك المحبة القلبية ويدل على هذا قوله تعالى ﴿ فتذروها كالمعلقة ﴾ ، وأما ما يدعو إليه بعض من يتسمون ب " المجددين " من وجوب التزوج بواحدة فقط بدليل هذه الآية فلا عبرة به لأنه جهل بفهم النصوص وهو باطل محض ترده الشريعة الغراء، والسنة النبوية المطهرة، وكفانا الله شر علماء السوء.

صفوة التفاسير · الصفحة ١٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ١٧٤