تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" إبعث بعث النار فيقول: وما بعث النار؟ فيقول من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون "

﴿ ولأضلنهم ولأمنينهم ﴾ لأصرفنهم عن طريق الهدى وأعدهم الأماني الكاذبة وألقي في قلوبهم طول الحياة وأن لا بعث ولا حساب ﴿ ولأمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ﴾ أي ولآمرنهم بتقطيع آذان الأنعام قال قتادة: يعني تشقيقها وجعلها علامة للبحيرة والسائبة كما كانوا يفعلون في الجاهلية ﴿ ولأمرنهم فليغيرن خلق الله ﴾ أي ولآمرنهم بتغيير خلق الله كخصاء العبيد والحيوان والوشم وغيره وقيل: المراد به تغيير دين الله بالكفر والمعاصي وإحلال ما حرم الله وتحريم ما أحل ﴿ ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله ﴾ أي ومن يتول الشيطان ويطعه ويترك أمر الله ﴿ فقد خسر خسرانا مبينا ﴾ أي خسر دنياه وآخرته لمصيره إلى النار المؤبدة وأي خسران أعظم من هذا؟ ثم قال تعالى عن إبليس ﴿ يعدهم ويمنيهم ﴾ أي يعدهم بالفوز والسعادة ويمنيهم بالأكاذيب والأباطيل قال ابن كثير: هذا إخبار عن الواقع فإن الشيطان يعد أولياءه ويمنيهم بأنهم هم الفائزون في الدنيا والآخرة وقد كذب وافترى في ذلك ﴿ وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ﴾ أي وما يعدهم إلا باطلا وضلالا قال ابن عرفة: الغرور ما له ظاهر محبوب وباطن مكروه، فهو مزين الظاهر فاسد الباطن ﴿ أولئك مأواهم جهنم ﴾ أي مصيرهم ومآلهم يوم القيامة نار جهنم ﴿ ولا يجدون عنها محيصا ﴾ أي ليس لهم منها مفر ولا مهرب، ثم ذكر تعالى حال السعداء الأبرار وما لهم من الكرامة في دار القرار فقال ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا ﴾ أي مخلدين في دار النعيم بلا زوال ولا انتقال ﴿ وعد الله حقا ﴾ أي وعدا لا شك فيه ولا ارتياب ﴿ ومن أصدق من الله قيلا ﴾ أي ومن أصدق من الله قولا؟ والاستفهام معناه النفي أي لا أحد أصدق قولا من الله قال أبو السعود: والمقصود معارضة مواعيد الشيطان الكاذبة لقرنائه بوعد الله الصادق لأوليائه ﴿ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ﴾ أي ليس ما وعد الله تعالى من الثواب يحصل بأمانيكم أيها المسلمون ولا بأماني أهل الكتاب وإنما يحصل بالإيمان والعمل الصالح قال الحسن البصري: ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، إن قوما ألهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم وقالوا نحسن الظن بالله، وكذبوا لو أحسنوا الظن به لأحسنوا العمل ﴿ من يعمل سوءا يجز به ﴾ أي من يعمل السوء والشر ينال عقابه عاجلا أو آجلا ﴿ ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ﴾ أي لا يجد من يحفظه أو ينصره من عذاب الله ﴿ ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ﴾ أي ومن يعمل الأعمال الصالحة سواء كان ذكرا أو أنثى بشرط الإيمان ﴿ فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا ﴾ أي يدخلهم الله الجنة ولا ينقصون شيئا حقيرا من ثواب أعمالهم كيف لا والمجازي أرحم الراحمين!! وإنما قال ﴿ وهو مؤمن ﴾ ليبين أن الطاعة لا تنفع من دون الإيمان، ثم قال تعالى ﴿ ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله ﴾؟ أي لا أحد أحسن دينا ممن انقاد لأمر الله وشرعه وأخلص عمله لله ﴿ وهو محسن ﴾ أي مطيع لله مجتنب لنواهيه ﴿ واتبع ملة إبراهيم حنيفا ﴾ أي واتبع الدين الذي كان عليه إبراهيم خليل الرحمن، مستقيما على منهاجه وسبيله وهو دين الإسلام ﴿ واتخذ الله إبراهيم خليلا ﴾ أي صفيا اصطفاه لمحبته وخلته قال ابن كثير: فإنه انتهى إلى درجة الخلة التي هي أرفع مقامات المحبة وما ذاك إلا لكثرة طاعته لربه ﴿ ولله ما في السموت وما في الأرض ﴾ أي جميع ما في الكائنات ملكه وعبيده وخلقه وهو المتصرف في جميع ذلك، لا راد لما قضى ولا معقب لما حكم ﴿ وكان الله بكل شيء محيطا ﴾ أي علمه نافذ في جميع ذلك لا تخفى عليه خافية ﴿ ويستفتونك في النسآء ﴾ أي يسألونك عما يجب عليهم في أمر النساء ﴿ قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب ﴾ أي قل لهم يا محمد: يبين الله لكم ما سألتم في شأنهن ويبين لكم ما يتلى في القرآن من أمر ميراثهن ﴿ في يتامى النسآء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن ﴾ أي ويفتيكم أيضا في اليتيمات اللواتي ترغبون في نكاحهن لجمالهن أو لمالهن ولا تدفعون لهن مهورهن كاملة فنهاهم الله عز وجل عن ذلك قال ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه فإذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبدا فإن كانت جميلة واحبها تزوجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال حتى تموت فإذا ماتت ورثها، فحرم الله ذلك ونهى عنه ﴿ والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط ﴾ أي ويفتيكم في المستضعفين الصغار أن تعطوهم حقوقهم وأن تعدلوا مع اليتامى في الميراث والمهر، وقد كان أهل الجاهلية لا يورثون الصغار ولا النساء ويقولون: كيف نعطي المال من لا يركب فرسا ولا يحمل سلاحا ولا يقاتل عدوا! فنهاهم الله عن ذلك وأمرهم أن يعطوهم نصيبهم من الميراث ﴿ وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما ﴾ أي وما تفعلوه من عدل وبر في أمر النساء واليتامى فإن الله يجازيكم عليه قال ابن كثير: وهذا تهييج على فعل الخيرات وامتثال الأوامر وأن الله سيجزي عليه أوفر الجزاء، ثم ذكر تعالى حكم نشوز الرجل فقال ﴿ وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا ﴾ أي وإذا علمت امرأة أو شعرت من زوجها الترفع عليها أو الإعراض عنها بوجهه بسبب الكره لها لدمامتها أو لكبر سنها وطموح عينه إلى من هي أشب وأجمل منها ﴿ فلا جناح عليهمآ أن يصلحا بينهما صلحا ﴾ أي فلا حرج ولا إثم على كل واحد من الزوجين من المصالحة والتوفيق بينهما بإسقاط المرأة بعض حقوقها من نفقة أو كسوة أو مبيت لتستعطفه بذلك وتستديم مودته وصحبته، روى ابن جرير عن عائشة أنها قالت: هذا الرجل يكون له امرأتان إحداهما قد عجزت أو هي دميمة وهو لا يحبها فتقول: لا تطلقني وأنت في حل من شأني ﴿ والصلح خير ﴾ أي والصلح خير من الفراق ﴿ وأحضرت الأنفس الشح ﴾ أي جبلت الأنفس على الشح وهو شدة البخل فالمرأة لا تكاد تسمح بحقها من النفقة والاستمتاع، والرجل لا تكاد نفسه تسمح بأن يقسم لها وأن يمسكها إذا رغب عنها وأحب غيرها ﴿ وإن تحسنوا وتتقوا ﴾ أي وإن تحسنوا في معاملة النساء وتتقوا الله بترك الجور عليهن ﴿ فإن الله كان بما تعملون خبيرا ﴾ أي فإن الله عالم بما تعملون وسيجزيكم عليه أوفر الجزاء.

صفوة التفاسير · الصفحة ١٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ١٧٣