تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. ثم بين تعالى حكم القتل العمد وجريمته النكراء وعقوبته الشديدة فقال ﴿ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خالدا فيها ﴾ أي ومن يقدم على قتل مؤمن عالما بإيمانه متعمدا لقتله فجزاؤه جهنم مخلدا فيها على الدوام، وهذا محمول عند الجمهور على من استحل قتل المؤمن كما قال ابن عباس لأنه باستحلال القتل يصبح كافرا ﴿ وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ﴾ أي ويناله السخط الشديد من الله والطرد من رحمة الله والعذاب الشديد في الآخرة ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ﴾ أي إذا سافرتم في الجهاد لغزو الأعداء فتثبتوا ولا تعجلوا في القتل حتى يتبين لكم المؤمن من الكافر ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ﴾ أي ولا تقولوا لمن حياكم بتحية الإسلام لست مؤمنا وإنما قلت هذا خوفا من القتل فتقتلوه ﴿ تبتغون عرض الحياة الدنيا ﴾ أي حال كونكم طالبين لماله الذي هو حطام سريع الزوال ﴿ فعند الله مغانم كثيرة ﴾ أي فعند الله ما هو خير من ذلك وهو ما أعده لكم من جزيل الثواب والنعيم ﴿ كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا ﴾ أي كذلك كنتم كفارا فهداكم للإسلام ومن عليكم بالإيمان فتبينوا أن تقتلوا مؤمنا وقيسوا حاله بحالكم ﴿ إن الله كان بما تعملون خبيرا ﴾ أي مطلعا على أعمالكم فيجازيكم عليها، ثم أخبر تعالى بفضيلة المجاهدين فقال ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين - غير أولي الضرر - والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ﴾ أي لا يتساوى من قعد عن الجهاد من المؤمنين مع من جاهد بماله ونفسه في سبيل الله غير أهل الأعذار كالأعمى والأعرج والمريض قال ابن عباس: هم القاعدون عن بدر والخارجون إليها، ولما نزلت الآية قام ابن أم مكتوم فقال يا رسول الله: هل لي من رخصة فوالله لو أستطيع الجهاد لجاهدت - وكان أعمى - فأنزل الله ﴿ غير أولي الضرر ﴾ ﴿ فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ﴾ أي فضل الله المجاهدين على القاعدين من أهل الأعذار درجة لاستوائهم في النية كما قال صلى الله عليه وسلم:

" إن بالمدينة أقواما ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال: نعم حبسهم العذر "

﴿ وكلا وعد الله الحسنى ﴾ أي وكلا من المجاهدين والقاعدين بسبب ضرر لحقهم وعدهم الله الجزاء الحسن في الآخرة ﴿ وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما ﴾ أي وفضل الله المجاهدين في سبيل الله على القاعدين بغير عذر بالثواب الوافر العظيم ﴿ درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما ﴾ أي منازل بعضها أعلى من بعض مع المغفرة والرحمة وفي الحديث

" إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ".

البلاغة: تضمنت هذه الآيات من البلاغة والبيان والبديع أنواعا نوجزها فيما يلي:

1- الاستفهام بمعنى الإنكار في ﴿ فما لكم في المنافقين ﴾؟ وفي ﴿ أتريدون أن تهدوا ﴾؟.

2- الطباق في ﴿ أن تهدوا من أضل الله ﴾ وكذلك ﴿ القاعدون.. والمجاهدون ﴾.

3- والجناس المغاير في ﴿ تكفرون كما كفروا ﴾ وفي ﴿ مغفرة.. وغفورا ﴾.

4- الإطناب في ﴿ فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم.. وفضل الله المجاهدين على القاعدين ﴾ وكذلك في ﴿ أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ﴾ ﴿ ومن قتل مؤمنا خطئا ﴾.

5- الاستعارة في ﴿ إذا ضربتم في سبيل الله ﴾ استعار الضرب للسعي في قتال الأعداء واستعار السبيل لدين الله، ففيه استعارة الضرب للجهاد، واستعارة السبيل لدين الله.

6- المجاز المرسل في ﴿ فتحرير رقبة ﴾ أطلق الجزء وأراد الكل أي عتق مملوك.

الفوائد: القتل العمد من أعظم الجرائم في نظر الإسلام ولهذا كانت عاقبته في غاية التغليظ والتشديد وقد قال صلى الله عليه وسلم:

صفوة التفاسير · الصفحة ١٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ١٦٧