تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. ثم توعدهم تعالى بالطمس وإذهاب الحواس فقال ﴿ يا أيهآ الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا ﴾ أي يا معشر اليهود آمنوا بالقرآن الذي نزلناه على محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ مصدقا لما معكم ﴾ أي مصدقا للتوراة ﴿ من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارهآ ﴾ أي نطمس منها الحواس من أنف أو عين أو حاجب حتى تصير كالأدبار، وهذا تشويه عظيم لمحاسن الإنسان وهو قول ابن عباس ﴿ أو نلعنهم كما لعنآ أصحاب السبت ﴾ أي نمسخهم كما مسخنا أصحاب السبت وهم الذين اعتدوا في السبت فمسخهم الله قردة وخنازير ﴿ وكان أمر الله مفعولا ﴾ أي إذا أمر بأمر فإنه نافذ كائن لا محالة ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء ﴾ أي لا يغفر الشرك ويغفر ما سوى ذلك من الذنوب لمن شاء من عباده ﴿ ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ﴾ أي من أشرك بالله فقد اختلق إثما عظيما قال الطبري: قد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرته شركا بالله.. ثم ذكر تعالى تزكية اليهود أنفسهم مع كفرهم وتحريفهم الكتاب فقال ﴿ ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ﴾ أي ألم يبلغك خبر هؤلاء الذين يمدحون أنفسهم ويصفونها بالطاعة والتقوى؟ والاستفهام للتعجيب من أمرهم قال قتادة: ذلكم أعداء الله اليهود زكوا أنفسهم فقالوا

نحن أبناء الله وأحباؤه

[المائدة: 18] وقالوا: لا ذنوب لنا ﴿ بل الله يزكي من يشآء ﴾ أي ليس الأمر بتزكيتهم بل بتزكية الله فهو أعلم بحقائق الأمور وغوامضها يزكي المرتضين من عباده وهم الأطهار الأبرار لا اليهود الأشرار ﴿ ولا يظلمون فتيلا ﴾ أي لا ينقصون من أعمالهم بقدر الفتيل وهو الخيط الذي في شق النواة وهو مثل للقلة كقوله

إن الله لا يظلم مثقال ذرة

[النساء: 40] ﴿ انظر كيف يفترون على الله الكذب ﴾ هذا تعجيب من افترائهم وكذبهم أي انظر يا محمد كيف اختلقوا على الله الكذب في تزكيتهم أنفسهم وادعائهم أنهم أبناء الله وأحباؤه؟ ﴿ وكفى به إثما مبينا ﴾ أي كفى بهذا الافتراء وزرا بينا وجرما عظيما ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ﴾ الاستفهام للتعجيب والمراد بهم أيضا اليهود أعطوا حظا من التوراة وهم مع ذلك يؤمنون بالأوثان والأصنام وكل ما عبد من دون الرحمن ﴿ ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ﴾ أي يقول اليهود لكفار قريش أنتم أهدى سبيلا من محمد وأصحابه قال ابن كثير: يفضلون الكفار على المسلمين بجهلهم وقلة دينهم وكفرهم بكتاب الله الذي بأيديهم قال تعالى إخبارا عن ضلالهم ﴿ أولئك الذين لعنهم الله ﴾ أي طردهم وأبعدهم عن رحمته ﴿ ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا ﴾ أي من يطرده من رحمته فمن ينصره من عذاب الله؟ ويمنع عنه آثار اللعنة وهو العذاب العظيم ﴿ أم لهم نصيب من الملك ﴾ أي أم لهم حظ من الملك؟ وهذا على وجه الإنكار يعني ليس لهم من الملك شيء ﴿ فإذا لا يؤتون الناس نقيرا ﴾ أي لو كان لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون أحدا مقدار نقير لفرط بخلهم، والنقير مثل في القلة كالفتيل والقطمير وهو النكتة في ظهر النواة، ثم انتقل إلى خصلة ذميمة أشد من البخل فقال ﴿ أم يحسدون الناس على مآ آتاهم الله من فضله ﴾ قال ابن عباس: حسدوا النبي صلى الله عليه وسلم على النبوة وحسدوا أصحابه على الإيمان والمعنى: بل أيحسدون النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على النبوة التي فضل الله بها محمدا وشرف بها العرب ويحسدون المؤمنين على ازدياد العز والتمكين؟ ﴿ فقد آتينآ آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما ﴾ أي فقد أعطينا أسلافكم من ذرية إبراهيم النبوة وأنزلنا عليهم الكتب وأعطيناهم الملك العظيم مع النبوة كداود وسليمان فلأي شيء تخصون محمدا صلى الله عليه وسلم بالحسد دون غيره ممن أنعم الله عليهم؟ والمقصود الرد على اليهود في حسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم وإلزام لهم بما عرفوه من فضل الله على آل إبراهيم ﴿ فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه ﴾ أي من اليهود من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وهم قلة قليلة ومنهم من أعرض فلم يؤمن وهم الكثرة كقوله

صفوة التفاسير · الصفحة ١٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ١٥٨