تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يليتني كنت ترابا

[النبأ: 40] وذلك لما يرون من أهوال يوم القيامة ﴿ ولا يكتمون الله حديثا ﴾ أي لا يستطيعون أن يكتموا الله حديثا لأن جوارحهم تشهد عليهم بما فعلوه.. ثم أمر تعالى باجتناب الصلاة في حال السكر والجنابة فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ﴾ أي لا تصلوا في حالة السكر لأن هذه الحالة لا يتأتى معها الخشوع والخضوع بمناجاته سبحانه وتعالى، وقد كان هذا قبل تحريم الخمر روى الترمذي عن علي كرم الله وجهه أنه قال " صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر فأخذت الخمر منا وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت " قل يا أيها الكافرون * أعبد ما تعبدون. ونحن نعبد ما تعبدون " فأنزل الله ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ الآية ﴿ ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ﴾ أي ولا تقربوها وأنتم جنب أي غير طاهرين بإنزال أو إيلاج إلا إذا كنتم مسافرين ولم تجدوا الماء فصلوا على تلك الحالة بالتيمم ﴿ وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جآء أحد منكم من الغآئط ﴾ أي وإن كنتم مرضى ويضركم الماء، أو مسافرين وأنتم محدثون أو أحدثتم ببول أو غائط ونحوهما حدثا أصغر ولم تجدوا الماء ﴿ أو لامستم النسآء ﴾ قال ابن عباس: هو الجماع ﴿ فلم تجدوا مآء ﴾ أي فلم تجدوا الماء الذي تتطهرون به ﴿ فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ﴾ أي اقصدوا عند عدم وجود الماء التراب الطاهر فتطهروا به وامسحوا وجوهكم وأيديكم بذلك التراب ﴿ إن الله كان عفوا غفورا ﴾ أي يرخص ويسهل على عباده لئلا يقعوا في الحرج.

البلاغة: تضمنت هذه الآيات من الفصاحة والبيان والبديع ما يلي:

1- الإطناب في قوله ﴿ نصيب مما اكتسبوا ﴾ و ﴿ نصيب مما اكتسبن ﴾ وفي ﴿ حكما من أهله وحكما من أهلهآ ﴾ وفي ﴿ والجار ذي القربى والجار الجنب ﴾.

2- الاستعارة في ﴿ مما اكتسبوا ﴾ شبه استحقاقهم للإرث وتملكهم له بالإكتساب واشتق من لفظ الاكتساب اكتسبوا على طريقة الاستعارة التبعية.

3- الكناية في ﴿ واهجروهن في المضاجع ﴾ فقد كنى بذلك عن الجماع وكذلك في ﴿ لامستم النسآء ﴾ قال ابن عباس معناه: جامعتم النساء كما كنى عن الحدث بالغائط في قوله ﴿ أو جآء أحد منكم من الغآئط ﴾.

4- صيغة المبالغة في ﴿ الرجال قوامون ﴾ لأن فعال من صيغ المبالغة ومجيء الجملة إسمية لإفادة الدوام والاستمرار.

5- السؤال عن المعلوم لتوبيخ السامع في قوله ﴿ فكيف إذا جئنا ﴾ يراد بها التقريع والتوبيخ.

6- جناس الاشتقاق في ﴿ حافظات... بما حفظ ﴾ وفي قوله ﴿ بشهيد.... وشهيدا ﴾.

7- التعريض في ﴿ مختالا فخورا ﴾ عرض بذلك إلى ذم الكبر المؤدي لاحتقار الناس.

8- الحذف في عدة مواضع مثل ﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ أي أحسنوا إلى الوالدين إحسانا.

الفوائد: الأولى: لم يذكر الله تعالى في الآية إلا " الإصلاح " في قوله ﴿ إن يريدآ إصلاحا ﴾ ولم يذكر ما يقابله وهو التفريق وفي ذلك إشارة لطيفة إلى أنه ينبغي على الحكمين أن يبذلا جهدهما للإصلاح لأن في التفريق خراب البيوت وتشتيت الأولاد وذلك مما ينبغي أن يجتنب.

الثانية: ختم تعالى الآية بهذين الإسمين العظيمين ﴿ إن الله كان عليا كبيرا ﴾ وذلك لتهديد الأزواج عند التعسف في استعمال الحق فكأن الآية تقول: لا تغتروا بكونكم أعلى يدا منهن وأكبر درجة منهن فإن الله علي قاهر ينتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن، فالله أعلى منكم وأقدر عليكم منكم عليهن فاحذروا عقابه.

الثالثة: روى البخاري

" عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إقرأ علي القرآن فقلت يا رسول الله: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: نعم فإني أحب أن أسمعه من غيري!! فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ﴾ فقال: حسبك الآن فنظرت فإذا عيناه تذرفان ".

صفوة التفاسير · الصفحة ١٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ١٥٥