تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا تمسكوا بعصم الكوافر

[الممتحنة: 10] ﴿ كتاب الله عليكم ﴾ أي هذا فرض الله عليكم ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ أي أحل لكم نكاح ما سواهن ﴿ أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين ﴾ أي إرادة أن تطلبوا النساء بطريق شرعي فتدفعوا لهن المهور حال كونكم متزوجين غير زانين ﴿ فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ﴾ أي فلما تلذذتم به من النساء بالنكاح فآتوهن مهورهن فريضة فرضها الله عليكم بقوله

وآتوا النسآء صدقاتهن نحلة

[النساء: 4] ثم قال تعالى ﴿ ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ﴾ أي لا إثم عليكم فيما أسقطن من المهر برضاهن كقوله

فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا

[النساء: 4] قال ابن كثير: أي إذا فرضت لها صداقا فأبرأتك منه أو عن شيء منه فلا جناح عليك ولا عليها في ذلك ﴿ إن الله كان عليما حكيما ﴾ أي عليما بمصالح العباد حكيما فيما شرع لهم من الأحكام ﴿ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات ﴾ أي من لم يكن منكم ذا سعة وقدرة أن يتزوج الحرائر المؤمنات ﴿ فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ﴾ أي فله أن ينكح من الإماء المؤمنات اللاتي يملكهن المؤمنون ﴿ والله أعلم بإيمانكم ﴾ جملة معترضة لبيان أنه يكفي في الإيمان معرفة الظاهر والله يتولى السرائر ﴿ بعضكم من بعض ﴾ أي إنكم جميعا بنو آدم ومن نفس واحدة فلا تستنكفوا من نكاحهن فرب أمة خير من حرة، وفيه تأنيس لهم بنكاح الإماء فالعبرة بفضل الإيمان لا بفضل الأحساب والأنساب ﴿ فانكحوهن بإذن أهلهن ﴾ أي تزوجوهن بأمر أسيادهن وموافقة مواليهن ﴿ وآتوهن أجورهن بالمعروف ﴾ أي ادفعوا لهن مهورهن عن طيب نفس ولا تبخسوهن منه شيئا استهانة بهن لكونهن إماء مملوكات ﴿ محصنات غير مسافحات ﴾ أي عفيفات غير مجاهرات بالزنى ﴿ ولا متخذات أخدان ﴾ أي ولا متسترات بالزنى مع أخدانهن قال ابن عباس: الخدن هو الصديق للمرأة يزني بها سرا فنهى الله تعالى عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن ﴿ فإذآ أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ﴾ أي فإذا أحصن بالزواج ثم زنين فعليهن نصف ما على الحرائر من عقوبة الزنى ﴿ ذلك لمن خشي العنت منكم ﴾ أي إنما يباح نكاح الإماء لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنى ﴿ وأن تصبروا خير لكم ﴾ أي صبركم وتعففكم عن نكاحهن أفضل لئلا يصير الولد رقيقا وفي الحديث

" من أراد أن يلقي الله طاهرا مطهرا فلينكح الحرائر "

﴿ والله غفور رحيم ﴾ أي واسع المغفرة عظيم الرحمة ﴿ يريد الله ليبين لكم ﴾ أي يريد الله أن يفصل لكم شرائع دينكم ومصالح أموركم ﴿ ويهديكم سنن الذين من قبلكم ﴾ أي يرشدكم إلى طرائق الأنبياء والصالحين لتقتدوا بهم ﴿ ويتوب عليكم ﴾ أي يقبل توبتكم فيما اقترفتموه من الإثم والمحارم ﴿ والله عليم حكيم ﴾ أي عليم بأحوال العباد حكيم في تشريعه لهم ﴿ والله يريد أن يتوب عليكم ﴾ كرره ليؤكد سعة رحمته تعالى على العباد أي يحب بما شرع من الأحكام أن يطهركم من الذنوب والآثام، ويريد توبة العبد ليتوب عليه ﴿ ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما ﴾ أي ويريد الفجرة أتباع الشيطان أن تعدلوا عن الحق إلى الباطل وتكونوا فسقة فجرة مثلهم ﴿ يريد الله أن يخفف عنكم ﴾ أي يريد تعالى بما يسر أن يسهل عليكم أحكام الشرع ﴿ وخلق الإنسان ضعيفا ﴾ أي عاجزا عن مخالفة هواه لا يصبر عن إتباع الشهوات، ثم حذر تعالى من أكل أموال الناس بالباطل فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ أي يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله لا يأكل بعضكم أموال بعض بالباطل وهو كل طريق لم تبحه الشريعة كالسرقة والخيانة والغصب والربا والقمار وما شاكل ذلك ﴿ إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ﴾ أي إلا ما كان بطريق شرعي شريف كالتجارة التي أحلها الله قال ابن كثير: الاستثناء منقطع أي لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب الأموال لكن المتاجر المشروعة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ﴾ أي لا يسفك بعضكم دم بعض، والتعبير عنه بقتل النفس للمبالغة في الزجر، أو هو على ظاهره بمعنى الانتحار وذلك من رحمته تعالى بكم ﴿ ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما ﴾ أي ومن يرتكب ما نهى الله عنه معتديا ظالما لا سهوا ولا خطأ ﴿ فسوف نصليه نارا ﴾ أي ندخله نارا عظيمة يحترق فيها ﴿ وكان ذلك على الله يسيرا ﴾ أي هينا يسيرا لا عسر فيه لأنه تعالى لا يعجزه شيء ﴿ إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ﴾ أي إن تتركوا أيها المؤمنون الذنوب الكبائر التي نهاكم الله عز وجل عنها نمح عنكم صغائر الذنوب بفضلنا ورحمتنا ﴿ وندخلكم مدخلا كريما ﴾ أي ندخلكم الجنة دار الكرامة والنعيم، التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر!.

صفوة التفاسير · الصفحة ١٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ١٥١