6.120
قال مجاهد: ﴿ وذروا ظاهر الإثم وباطنه ﴾ المعصية في السر والعلانية، وقال قتادة: أي سره وعلانيته، قليله وكثيره، وقال السدي: ظاهره الزنا مع البغايا ذوات الرايات، وباطنه الزنا مع الخليلة والصدائق والأخدان، وقال عكرمة: ظاهره نكاح ذوات المحارم. والصحيح أن الآية عامة في ذلك كله، وهي كقوله تعالى:
قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن
[الأعراف: 33] الآية، ولهذا قال تعالى: ﴿ إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون ﴾ أي سواء كان ظاهرا أو خفيا، فإن الله سيجزيهم عليه، عن النواس بن سمعان قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإثم فقال:
" الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع الناس عليه ".
6.121
استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب إلى أن الذبيحة لا تحل إذا لم يذكر اسم الله عليها وإن كان الذابح مسلما، وقد اختلف الأئمة رحمهم الله في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: فمنهم من قال لا تحل هذه الذبيحة بهذه الصفة وسواء ترك التسمية عمدا أو سهوا، وهو رواية عن الإمام مالك وأحمد بن حنبل، وهو اختيار أبي ثور وداود الظاهري، واحتجوا لمذهبهم هذا بهذه الآية وبقوله في آية الصيد:
فكلوا ممآ أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه
[المائدة: 4]، ثم قد أكد في هذه الآية بقوله: ﴿ وإنه لفسق ﴾ ، والضمير قيل: عائد على الأكل وقيل: عائد على الذبح لغير الله، وبالأحاديث الواردة في الأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد كحديثي عدي بن حاتم:
" إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل مما أمسك عليك "
وهو في الصحيحين، وحديث رافع بن خديج:
" ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه "
وهو في الصحيحين أيضا، وحديث ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للجن:
" لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه "
؛ وعن عائشة رضي الله عنها
" أن ناسا قالوا: يا رسول الله إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ قال: " سموا عليه أنتم وكلوا " قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر "
ووجه الدلالة أنهم فهموا أن التسمية لا بد منها وخشوا أن لا تكون وجدت من أولئك لحداثة إسلامهم، فأمرهم بالاحتياط بالتسمية عند الأكل لتكون كالعوض عن المتروكة عند الذبح إن لم تكن وجدت، وأمرهم بإجراء أحكام المسلمين على السداد، والله أعلم.
والمذهب الثاني في المسألة: أنه لا يشترط التسمية، بل هي مستحبة، فإن تركت عمدا أو نسيانا لا يضر، وهذا مذهب الإمام الشافعي رحمه الله وجميع أصحابه، ورواية عن الإمام أحمد نقلها عنه حنبل، وهو رواية عن الإمام مالك، وحمل الشافعي الآية الكريمة: ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ﴾ على ما ذبح لغير الله كقوله تعالى:
أو فسقا أهل لغير الله به
[الأنعام: 145]، وقال عطاء ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ﴾ ينهي عن ذبائح كانت تذبحها قريش للأوثان وينهى عن ذبائح المجوس، وهذا المسلك الذي طرقه الإمام الشافعي قوي، وقال ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ﴾ قال: هي الميتة. وقد استدل لهذا المذهب بما رواه أبو داود قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله أو لم يذكر إنه أن ذكر، لم يذكر إلا اسم الله "
وهذا مرسل يعضد بما رواه الدارقطني عن ابن عباس أنه قال:
" إذا ذبح المسلم ولم يذكر اسم الله فليأكل فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله "
، واحتج البيهقي أيضا بحديث عائشة رضي الله عنها المتقدم أن ناسا قالوا:
" يا رسول الله إن قوما حديثي عهد بجاهلية يأتوننا بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال: " سموا أنتم وكلوا "
قال: فلو كان وجود التسمية شرطا لم يرخص لهم إلا مع تحققها والله أعلم.