المذهب الثالث في المسألة: إن ترك البسملة على الذبيحة نسيانا لم يضر، وإن تركها عمدا لم تحل، هذا هو المشهور من مذهب الإمام مالك وأحمد وبه يقول أبو حنيفة وإسحاق بن راهويه، وقال ابن جرير رحمه الله: من حرم ذبيحة الناسي فقد خرج من قول جميع الحجة، وخالف الخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، يعني ما رواه الحافظ البيهقي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" المسلم يكفيه اسمه إن نسي أن يسمي حين يذبح فليذكر اسم الله وليأكله "
، ثم نقل ابن جرير وغيره عن الشعبي ومحمد بن سيرين: أنهما كرها متروك التسمية نسيانا، والسلف يطلقون الكراهة على التحريم كثيرا، والله أعلم، إلا أن من قاعدة ابن جرير أنه لا يعتبر قول الواحد ولا الاثنين مخالفا لقول الجمهور فيعده إجماعا، فليعلم هذا، والله الموفق. واحتج لهذا المذهب بالحديث المروي من طرق عند ابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم:
" إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه "
، وعن أبي هريرة قال:
" جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اسم الله على كل مسلم " ".
وقوله تعالى: ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ليجادلوكم ﴾ ، قال ابن أبي حاتم عن أبي زميل قال: كنت قاعدا عند ابن عباس وحج (المختار بن أبي عبيد) فجاءه رجل، فقال: يا ابن عباس زعم أبو إسحاق أنه أوحي إليه الليلة، فقال ابن عباس: صدق، فنفرت، وقلت: يقول ابن عباس صدق؟ فقال ابن عباس: هما وحيان، وحي الله، ووحي الشيطان، فوحي الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ووحي الشيطان إلى أوليائه، ثم قرأ: ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ﴾. وقد تقدم عن عكرمة في قوله:
يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا
[الأنعام: 112] نحو هذا. وقوله: ﴿ ليجادلوكم ﴾ ، عن سعيد بن جبير قال: خاصمت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله؟ فأنزل الله: ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ﴾ ، وعن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ﴾ أرسلت فارس إلى قريش أن خاصموا محمدا وقولوا له: فما تذبح أنت بيدك بسكين فهو حلال وما ذبح الله عز وجل بشمشير من ذهب يعني الميتة فهو حرام؟ فنزلت هذه الآية: ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ﴾ أي وإن الشياطين من فارس ليوحون إلى أوليائهم من قريش، وقال أبو داود عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ﴾ يقولون: ما ذبح الله فلا تأكلوه وما ذبحتم أنتم فكلوه، فأنزل الله: ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ﴾ ، وقال السدي في تفسير هذه الآية: إن المشركين قالوا للمسلمين: كيف تزعمون أنكم تتبعون مرضاة الله فما قتل الله فلا تأكلونه وما ذبحتم أنتم تأكلونه؟ فقال الله تعالى: وإن أطعتموهم - في أكل الميتة ﴿ إنكم لمشركون ﴾ وهكذا قال مجاهد والضحاك وغير واحد من علماء السلف.
وقوله تعالى: ﴿ وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ﴾ أي حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره فقدمتم عليه غيره، فهذا هو الشرك، كقوله تعالى:
اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله
[التوبة: 31] الآية، وقد روى الترمذي في تفسيرها عن عدي بن حاتم أنه قال: يا رسول الله ما عبدوهم، فقال:
" بلى إنهم أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال، فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم ".