تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6.126-127

لما ذكر تعالى طريق الضالين عن سبيله الصادين عنها، نبه على شرف ما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق، فقال تعالى: ﴿ وهذا صراط ربك مستقيما ﴾ أي هذا الدين الذي شرعناه لك يا محمد بما أوحينا إليك هذا القرآن هو صراط الله المستقيم، كما تقدم في الحديث في نعت القرآن:

" هو صراط الله المستقيم، وحبل الله المتين وهو الذكر الحكيم "

، ﴿ قد فصلنا الآيات ﴾ أي وضحناها وبيناها وفسرناها ﴿ لقوم يذكرون ﴾ أي لمن له فهم ووعي يعقل عن الله ورسوله، ﴿ لهم دار السلام ﴾ وهي الجنة ﴿ عند ربهم ﴾ أي يوم القيامة، وإنما وصف الله الجنة ههنا بدار السلام لسلامتهم فيما سلكوه من الصراط المستقيم، المقتفي أثر الأنبياء وطرائقهم فكما سلموا من آفات الإعوجاج أفضوا إلى دار السلام، ﴿ وهو وليهم ﴾ أي حافظهم وناصرهم ومؤيدهم، ﴿ بما كانوا يعملون ﴾ أي جزاء على أعمالهم الصالحة تولاهم وأثابهم الجنة بمنه وكرمه.

6.128

يقول تعالى: ﴿ و ﴾ اذكر يا محمد فيما تقصه عليهم وتنذرهم به، ﴿ يوم يحشرهم جميعا ﴾ يعني الجن وأولياءهم من الإنس الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا ويعوذون ويطيعونهم، ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ﴿ يامعشر الجن قد استكثرتم من الإنس ﴾ أي يقول يا معشر الجن، وسياق الكلام يدل على المحذوف، ومعنى قوله: ﴿ قد استكثرتم من الإنس ﴾ أي من إغوائهم وإضلالهم، كقوله تعالى:

ألم أعهد إليكم يبني ءادم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم

[يس: 60-61]، وقال ابن عباس: ﴿ يامعشر الجن قد استكثرتم من الإنس ﴾ يعني أضللتم منهم كثيرا، ﴿ وقال أوليآؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض ﴾: يعني أولياء الجن من الإنس قالوا مجيبين لله تعالى عن ذلك بهذا، قال ابن أبي حاتم عن الحسن في هذه الآية قال: استكثرتم من أهل النار يوم القيامة، فقال أولياؤهم من الإنس: ربنا استمتع بعضنا ببعض، قال الحسن: وما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت وعملت الإنس. وقال ابن جريج: كان الرجل في الجاهلية ينزل الأرض فيقول: أعوذ بكبير هذا الوادي، فذلك استمتاعهم فاعتذروا به يوم القيامة، وأما استمتاع الجن بالإنس فإنه كان - فيما ذكر - ما ينال الجن من الإنس من تعظيمهم إياهم في استعانتهم بهم، فيقولون: قد سدنا الإنس والجن ﴿ وبلغنآ أجلنا الذي أجلت لنا ﴾ قال السدي: يعني الموت، ﴿ قال النار مثواكم ﴾ أي مأواكم ومنزلكم أنتم وإياهم وأولياؤكم، ﴿ خالدين فيهآ ﴾ أي ماكثين فيها مكثا مخلدا إلا ما شاء الله، قال بعضهم يرجع معنى الاستثناء إلى البرزخ، وقال بعضهم: هذا رد إلى مدة الدنيا، وقيل: غير ذلك من الأقوال، وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس: ﴿ قال النار مثواكم خالدين فيهآ إلا ما شآء الله إن ربك حكيم عليم ﴾ قال: إن هذه الآية آية لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه، ولا ينزلهم جنة ولا نارا.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٥٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٥٣٩