6.101
﴿ بديع السموت والأرض ﴾ أي مبدعهما وخالقهما ومنشئهما ومحدثهما على غير مثال سبق، ومنه سميت البدعة بدعة، لأنه لا نظير لها فيما سلف، ﴿ أنى يكون له ولد ﴾ أي كيف يكون له ولد ﴿ ولم تكن له صاحبة ﴾ أي والولد إنما يكون متولدا بين شيئين متناسبين، والله تعالى لا يناسبه ولا يشابهه شيء من خلقه لأنه خالق كل شيء، فلا صاحبة له ولا ولد كما قال تعالى:
وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا
[مريم: 88-89]، ﴿ وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ﴾ ، فبين تعالى أنه الذي خلق كل شيء وأنه بكل شيء عليم، فكيف يكون له صاحبة من خلقه تناسبه وهو الذي لا نظير له، فأنى يكون له ولد؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
6.102-103
يقول تعالى: ﴿ ذلكم الله ربكم ﴾ أي الذي خلق كل شيء ولا ولد له ولا صاحبة، ﴿ لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه ﴾ أي فاعبدوه وحده لا شريك له، وأقروا له بالوحدانية، وأنه لا إله إلا هو وأنه لا ولد له ولا والد ولا صاحبة له، ولا نظير ولا عديل ﴿ وهو على كل شيء وكيل ﴾ أي حفيظ ورقيب يدبر كل ما سواه ويرزقهم ويكلأهم بالليل والنهار. وقوله: ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ فيه أقوال للأئمة من السلف (أحدها): لا تدركه في الدنيا وإن كانت تراه في الآخرة، كما تواترت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير ما طريق ثابت في الصحاح والمسانيد والسنن، كما قال مسروق عن عائشة أنها قالت: من زعم أن محمدا أبصر ربه فقد كذب على الله، فإن الله تعالى قال: ﴿ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ﴾ ، وخالفها ابن عباس، فعنه: إطلاق الرؤية، وعنه: أنه رآه بفؤاده مرتين، والمسألة تذكر في أول سورة النجم إن شاء الله، وقال يحيى بن معين سمعت إسماعيل بن علية يقول في قول الله تعالى: ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ قال هذا في الدنيا، وقال آخرون: ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ أي جميعها، وهذا مخصص بما ثبت من رؤية المؤمنين له في الدار الآخرة، وقال آخرون من المعتزلة بمقتضى ما فهموه من هذه الآية أنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة، فخالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك، مع ما ارتكبوه من الجهل بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله، أما الكتاب فقوله تعالى:
وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة
[القيامة: 22-23]، وقال تعالى عن الكافرين:
كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون
[المطففين: 15]، قال الإمام الشافعي: فدل هذا على أن المؤمنين لا يحجبون عنه تبارك وتعالى، أما السنة فقد تواترت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة في العرصات، وروضات الجنات، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه آمين.
وقال آخرون: لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفي الإدراك، فإن الإدراك أخص من الرؤية، ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم، ثم اختلف هؤلاء في الإدراك المنفي ما هو؟ فقيل معرفة الحقيقة، فإن هذا لا يعلمه إلا هو وإن رآه المؤمنون، كما أن من رأى القمر، فإنه لا يدرك حقيقته وكنهه وماهيته فالعظيم أولى بذلك وله المثل الأعلى، وقال آخرون: الإدراك هو الإحاطة، قالوا: ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية، كما لا يلزم من عدم إحاطة العلم عدم العلم، قال تعالى:
ولا يحيطون به علما
[طه: 110]، وفي صحيح مسلم:
" لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك "
، ولا يلزم منه عدم الثناء، فكذلك هذا. قال ابن عباس ﴿ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ﴾ قال: لا يحيط بصر أحد بالملك، وعن عكرمة أنه قيل له: ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ قال: ألست ترى السماء؟ قال: بلى، قال: فكلها ترى؟ وقال قتادة: هو أعظم من أن تدركه الأبصار، وقال ابن جرير عن عطية العوفي في قوله تعالى:
وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة
[القيامة: 22-23] قال: هم ينظرون إلى الله لا تحيط أبصارهم به من عظمته وبصره محيط بهم، فذلك قوله: ﴿ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ﴾.