تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿ ثم ردوا ﴾ يعني الخلائق كلهم إلى يوم القيامة فيحكم فيهم بعدله كما قال:

قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم

[الواقعة: 49-50]، وقال:

وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا

[الكهف: 47]، ولهذا قال: ﴿ مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين ﴾.

6.63-65

يقول تعالى ممتنا على عباده في إنجائه المضطرين منهم من ظلمات البر والبحر أي الحائرين الواقعين في المهامه البرية، وفي اللجج البحرية إذا هاجت الرياح العاصفة، فحينئذ يفردون الدعاء له وحده له شريك له، كقوله:

وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه

[الإسراء: 67] الآية، وقوله:

هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جآءتها ريح عاصف وجآءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين

[يونس: 22] الآية، وقوله:

أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون

[النمل: 63]. وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿ قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية ﴾ أي جهرا وسرا، ﴿ لئن أنجانا ﴾ أي من هذه الضائقة ﴿ لنكونن من الشاكرين ﴾ أي بعدها، قال الله: ﴿ قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم ﴾ أي بعد ذلك، ﴿ تشركون ﴾ أي تدعون معه في حال الرفاهية آلهة أخرى، وقوله: ﴿ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم ﴾ لما قال: ﴿ ثم أنتم تشركون ﴾ عقبه بقوله: ﴿ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا ﴾ أي بعد إنجائه إياكم كقوله:

وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا

[الإسراء: 67]. قال الحسن: هذه للمشركين، وقال مجاهد: لأمة محمد صلى الله عليه وسلم وعفا عنهم، ونذكر هنا الأحاديث الواردة في ذلك.

قال البخاري رحمه الله تعالى: يلبسكم: يخلطكم من الالتباس، يلبسوا: يخلطوا، شيعا: فرقا. ثم روى بسنده عن جابر بن عبد الله قال:

" لما نزلت هذه الآية: ﴿ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أعوذ بوجهك " ، ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ قال: " أعوذ بوجهك " ، ﴿ أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذه أهون - أو - أيسر "

(طريق آخر): قال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره عن جابر قال:

" لما نزلت ﴿ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أعوذ بالله من ذلك " ، ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أعوذ بالله من ذلك " ، ﴿ أو يلبسكم شيعا ﴾ قال: " هذا أيسر "

ولو استعاذه لأعاذه.

(حديث آخر): قال الإمام أحمد عن سعد بن أبي وقاص قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مررنا على مسجد بني معاوية، فدخل فصلى ركعتين، فصلينا معه، فناجى ربه عز وجل طويلا ثم قال:

" سألت ربي ثلاثا، سألته: أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته: أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها "

(حديث آخر): قال الإمام أحمد عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك أنه قال: جاءنا عبد الله بن عمر في حرة بني معاوية - قرية من قرى الأنصار - فقال لي: هل تدري أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجدكم هذا؟ فقلت: نعم، فأشرت إلى ناحية منه، فقال: هل تدري ما الثلاث التي دعاهن فيه؟ فقلت: نعم، فقال: أخبرني بهن، فقلت: دعا أن لا يظهر عليهم عدوا من غيرهم ولا يهلكهم بالسنين فأعطيهما، ودعا بأن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعها، قال: صدقت، فلا يزال الهرج إلى يوم القيامة.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٥٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٥٠٧