6.129
قال قتادة في تفسيرها: إنما يولي الله الناس بأعمالهم، فالمؤمن ولي المؤمن أين كان وحيث كان، والكافر ولي الكافر أينما كان وحيثما كان، ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، واختاره ابن جرير، وعنه في تفسير الآية: يولي الله بعض الظالمين بعضا في النار يتبع بعضهم بعضا. وقال مالك ابن دينار: قرأت في الزبور: إني أنتقم من المنافقين بالمنافقين، ثم أنتقم من المنافقين جميعا، وذلك في كتاب الله قول الله تعالى: ﴿ وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا ﴾ ، وقال ابن أسلم: قال ظالمي الجن وظالمي الإنس، وقرأ:
ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين
[الزخرف: 36] أي ونسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس، وعن ابن مسعود مرفوعا: " من أعان ظالما سلطه الله عليه " وقال بعض الشعراء:
وما من يد إلا يد الله فوقها
ولا ظالم إلا سيبلى بظالم
ومعنى الآية الكريمة: كما ولينا هؤلاء الخاسرين من الإنس تلك الطائفة التي أغوتهم من الجن، كذلك نفعل بالظالمين نسلط بعضهم على بعض ونهلك بعضهم ببعض، وننتقم من بعضهم ببعض جزاء على ظلمهم وبغيهم.
6.130
وهذا أيضا مما يقرع الله به كافري الجن والإنس يوم القيامة حيث يسألهم وهو أعلم: هل بلغتهم الرسل رسالاته، وهذا استفهام تقرير، ﴿ يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم ﴾ أي من جملتكم والرسل من الإنس فقط وليس من الجن رسل، كما قد نص على ذلك مجاهد وابن جريج وغير واحد من الأئمة من السلف والخلف. وقال ابن عباس: الرسل من بني آدم ومن الجن نزر. وحكى ابن جرير عن الضحاك: أنه زعم أن في الجن رسلا، واحتج بهذه الآية الكريمة، وفيه نظر، لأنها محتملة وليست بصريحة وهي، والله أعلم، كقوله:
مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا يبغيان
[الرحمن: 19-20]، إلى أن قال:
يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان
[الرحمن: 22] ومعلوم أن اللؤلؤ والمرجان إنما يستخرجان من الملح لا من الحلو، وهذا واضح ولله الحمد. وقد ذكر هذا الجواب بعينه ابن جرير، والدليل على أن الرسل إنما هم من الإنس قوله تعالى:
إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح والنبيين من بعده
[النساء: 163]. وقوله تعالى عن إبراهيم:
وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب
[العنكبوت: 27] فحصر النبوة والكتاب بعد إبراهيم في ذريته، ولم يقل أحد من الناس إن النبوة كانت في الجن قبل إبراهيم الخليل ثم انقطعت عنهم ببعثته. وقال تعالى:
ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق
[الفرقان: 20]، وقال:
ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى
[يوسف: 109] ومعلوم أن الجن تبع للإنس في هذا الباب، ولهذا قال تعالى إخبارا عنهم:
وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين * قالوا يقومنآ إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم
[الأحقاف: 29-30]، وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقآء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا ﴾ أي أقررنا أن الرسل قد بلغونا رسالاتك وأنذرونا لقاءك، وأن هذا اليوم كائن لا محالة. وقال تعالى: ﴿ وغرتهم الحياة الدنيا ﴾ أي وقد فرطوا في حياتهم الدنيا وهلكوا بتكذيبهم الرسل ومخالفتهم للمعجزات، لما اغتروا به من زخرف الحياة الدنيا وزينتها وشهواتها، ﴿ وشهدوا على أنفسهم ﴾ أي يوم القيامة ﴿ أنهم كانوا كافرين ﴾ أي في الدنيا بما جاءتهم به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم.