وأما اليهود فبادروا بادئ الرأي إلى حسن استقبال "محمد" ظناً منهم أن في مقدورهم استمالته إليهم، وإدخاله في دينهم والاستعانة به على تهويد جزيرة العرب حتى تقف في وجه النصرانية التي أجلت اليهود - شعب الله المختار كما يزعمون - عن فلسطين أرض الميعاد، وانطلق كلٌ على أساس تفكيره يُمهّد لأسباب النجاح لبلوغه غايته".
ويقول الأستاذ أحمد إبراهيم الشريف:
"كان المسلمون إلى يوم بدر يخشون مواطنيهم من أهل المدينة فلا يستطيعون رد الاعتداء على من يُعتدى عليه منهم، فلما عادوا منتصرين امتلأت نفوسهم بالجرأة، ووجدوا أن مصلحتهم تقتضيهم رد العدوان، وتأديب المعتدي، وإلقاء الرعب في قلوب ممن تحدثهم أنفسهم بإفساد أمور الدولة الإسلامية الناشئة في يثرب.
" وكان "أبو عفك" - وهو يهودي من بني عمرو بن عوف - يُرسل الأشعار التي يطعن بها على "محمد" وعلى المسلمين ويُحرّض قومه على الخروج عليهم، وظل كذلك إلى ما بعد بدر يُغري بهم الناس فأخذ "سالم بن عُمير" نفسه بالقضاء عليه وذهب إليه في داره ليلاً وقتله، وكذلك قتل "عُمير بن عوف" امرأة من بني أُمية تُسمى "عصماء بنت مروان" وكانت تعيب الإسلام وتؤذي النبي صلى الله عليه وسلم وتُحرض عليه، ولم يكتف "عُمير" بقتلها بل تحدى قومها حين سألوه في هذا، فكان لجُرأته أثر كبير إذ ظهر الإسلام في بني خطمة - وهم قوم زوج عصماء هذه - ومن ثم ظهر منهم من كان يُخفي إسلامه.
كذلك كان كعب بن الأشرف اليهودي شاعراً شيطاناً أخذ نفسه بالكيد للمسلمين وإرسال الأشعار في التحريض عليهم، وقد ساءته نتيجة "بدر" وآلمت نفسه حتى لقد قال حين علم بها: "هؤلاء أشراف العرب ملوك
الناس - يعني قريشاً - والله لئن كان "محمد" أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خيرٌ من ظهرها.