تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ووقعة "أُحُدٍ" في السنة الثالثة، وقعت في جوار المدينة مباشرة وعلى نحو ميلين منها، وكان المكّيون فيها مهاجمين مطالبين بثأر بدر، ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج في السنة الرابعة إلى "بدر الثانية" لوعدٍ بالحرب كان بينه وبين المكيين يوم أُحُد فلما كان العام الخامس وهو العام الذي وقعت فيه موقعة "الخندق" كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مستقراً في يثرب وعدوه هو الذي جاء إليه متحدياً منتهكاً لحقه في السيادة، كما كان الحال في عام أُحُد، وقد حرص حين فتح مكة أن يتفادى الاصطدام بالمكيين، وكان فتحاً خلا من القتال بوجه عام، ومع ذلك فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - حرض على الجهاد، ونزل القرآن الكريم بآيات كثيرة ترفع من شأن المجاهدين، إلا أن الجهاد لم يكن يُقصد به إلا الدفاع وإعزاز الدولة الإسلامية بحيث تعيش في أمن عام، وإتاحة الفرصة للمبادئ أن تسير حجة بحجة وبرهاناً ببرهان، دون أن تقف القوى المسلمة المادية في طريقها فتصدها وتعطل من سيرها.

ومن هنا يتبين أن المسلمين لم يحملوا السيف ليرغموا غيرهم على الإسلام، ولكن ليدافعوا عن عدوان الكفر وجبروت الظلم، وتسلط الجبارين وتشويش المرجفين، وعناد الحمقى، وسفه المحرومين، على أن دعوى الإكراه والإرغام والإلجاء إذا صح في هذه الآونة أن يرددها مدّعٍ مُغرض فهل يمكن أن يرددها الآن عاقل بعد أن أثبت التقدم الحضاري والنضوج الذهني والازدهار العلمي أنه يغزو العقول والأفئدة، وبعد أن اعترف فلاسفة الدنيا أنه الذي يجب أن تأخذ الإنسانية بتعاليمه لأنه الدين الذي لا تنهض بسواه ولا يصلح حالها إلا به.

من فيض الرسالة · الصفحة ٩٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ٩٧