والمنصفون من المؤرخين إنما يعيبون على المصلحين أو أصحاب الدعوات التقديمة الحرب الهجومية، إذ هي التي يشتم منها القسر والإكراه والإلجاء والإلزام الذي لا اختيار معه، ولا يدع مجالاً للمنطق والتفكير والترجيح والموازنة، كما يفعل الذين يذعنون للحق ويؤمنون بالصواب.
أما الحرب الدفاعية التي ترد العدوان وتصد الباطل وتذود شرور الاستبداد وطيش الرعونة وسفاهة الحمقى فإنها مسلمة بالبدائة والفطر، لا ينكرها عقل، ولا يأباها ذوق، ولم تكن حروب الإسلام في يوم من الأيام هجوماً ولا بطشاً، وإنما كانت لدفع الظلم، ورد البغي، وكبح جماح الباطل.
ويقول الأستاذ أحمد إبراهيم الشريف في كتابه (الدولة الإسلامية):
"إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقم بحرب هجومية إطلاقاً حتى في أثناء المعارك الكبيرة التي وقعت بينه وبين قريش، فإن موقعة "بدر" التي حدثت في السنة الثانية للهجرة حدثت داخل حدود إقليم المدينة، وعلى إثر تحدي المكيين للنبي - صلى الله عليه وسلم - وتسييرهم قوافلهم بأراضي المدينة ممتهنين حق السيادة اليثربية، فأبو سفيان حين مر بقافلة في المنطقة اليثربية كان يتحدى أهل يثرب بقوته ويستضئل شأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولهذا خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إليه وأراد أن يصادر هذه القافلة أو أن يحاربها، وكان أمرها يشغله منذ خرجت من الشام حتى رأى في منامه قبل أن تعود رؤيا تبشره بأن إحدى الطائفتين ستكون لهم والطائفة الأولى هي القافلة، والطائفة الثانية هي قوات قريش التي كان من المحتمل أن تخرج لنجدتها ومنع النبي من مصادرتها.