تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان هذا الحديث الذي أحدثه عبد الله بن جحش، مثار أحاديث رددها المشركون والمنافقون على السواء، كلها كانت لمزاً جارحاً وطعناً حقيراً ورمياً للرسول - صلى الله عليه وسلم - بأنه لم يحترم الأشهر الحرم التي كانت لها قدسيتها عند الناس منذ الجاهلية، لم يسفكوا فيها دما، ولم يعتدوا على حرمة من المحرمات، وقد أخذ بعض من تعطفهم العواطف على عبد الله، يلتمسون له العذر، ويصححون له الوضع، وقال فريق منهم: إن القتل كان حيث كانت اللحظات الأخيرة من رجب قد تصرمت.

وأثار ذلك القول الرسول نفسه - بعد أن وصل إلى أذنيه دوي المرجفين - فأبدى غضبه من (عبد الله بن جحش) وقال له: (لم آمرك بقتال ولا بسفك دم).

ولما حمي وطيس هذه الفتنة واتخذها المشركون والمنافقون ذريعة للطعن والتشويش نزل قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا).

(البقرة: 217)

يستعرض سلوكهم السيئ وتاريخهم الأسود وماضيهم الملوث، ومواقفهم المرذولة، وكان هذا الخطأ الذي ارتكبه عبد الله لا يساوي شيئاً إلى جانب صدهم عن دين الله ومحاربتهم للحق وانحرافهم عن الجادة والتوائهم عن الصراط السوي، وكأنما كان ذلك المنطق الذي سمعوه، والأسلوب الذي جُوبهوا به بمثابة الصواعق تصيب أفئدتهم ونفوسهم، وتنزل على رؤوسهم، لأن من أحمق الحمق وأكبر الكبائر أن يرى الرجل القذى في عين أخيه ثم لا يرى الجذع في عين نفسه.

من فيض الرسالة · الصفحة ٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ٩٣