تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومنها أيضاً أن أسماء بنت أبي بكر، التي كانت تجيء إليهما بالطعام، وعبد الله، ابنه الذي كان يأتيهما بحديث المشركين عنهما، وكان يُعفى على مواضيع أقدامهما بغنم أبي بكر، التي كان يرعاها له مولاه عامر بن فهيرة، وكان هذا كله غاية التضليل وأقصى ما تكون التعمية ...

وكل هذه أساليب الرجل الداهية، وخطط السياسي المحنك، وطرق لا يهتدي إليها إلا إنسان ربته الحوادث والأيام.

أما عناية الله التي أغنت عن مضاعفة من الدروع - كما يقول البوصيري في قصيدته البردة - فهي التي

جعلت الحمام يصنع العش ويملؤه من بيضه ويرقد فوقه للتفريخ، وجعلت العنكبوت تنسج خيوطها هذا النسج الدقيق.

وكان من تلك العناية أن أعمى الله بصيرة المشركين فلم يدركوا من أمره - صلى الله عليه وسلم

- شيئاً مع أنه كان في موقع أنظارهم وكان (أبو بكر) كلما اشتد به الخوف وزاد عليه الهلع والفزع، قال له صاحبه (لا تحزن إن الله معنا).

وقد دلت تلك المخاطرة التي أقدم عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حينما كان لابد له أن ينأى عن تلك الوجوه الكالحة.

ويباعد ما بينه وبين تلك النفوس الخبيثة على أنه كان مطمئنا كل الاطمئنان إلى أن أعداءه لا يستطيعون أن ينالوا منه، ولا أن يظفروا به، ولا أن يستعدوا عليه، وإلا لكان همّه أن يهرب وكفى، أو أن ينجو فحسب، ولكننا رأيناه يخرج بالليل ثم يعود بالنهار، ورأيناه يحثو في وجههم التراب، غير مبال بما يستهدف له من انتقامهم، أو ما يتعرض له من سخطهم.

من فيض الرسالة · الصفحة ٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ٧٦