وبعد أن أخذ يضيق مما به ويصحوا من تلك الغاشية التي أصابته ابتدأ يقول مناجيا ربه: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس! يا أرحم الراحمين ... أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو يحل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك).
وهو دعاء - وإن كان عنوانا على الجزع والهلع والهوان والضعف والشدة والعسر، إلا أنه تسجيل لذلك العنف الذي قوبل به، والنذالة التي صنعوها معه، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يؤمن أن نصر الله يلاحقه وعنايته تسابقه ودفعه الأذى عنه ولا يمكن إلا أن يكون، لذلك يخاطبه خطاب المطمئن إلى وعده الواثق من لطفه الطامع في رحمته حتى إذا ما خشي أن يكون قد تجاوز حدود الأدب معه سارع إلى مرضاته: (إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي).
وقد كانت هذه الكلمة شعاره في أمثال هذه الشدائد.
وقد جاء إليه جبريل عقب هذه الحادثة من غير توانٍ، فقال له - بعد أن سلم عليه -: "إن الله قد سمع الذي قلته وسمع ما ردوا به عليك وهذا أخي ملك الجبال إن شئت أن يطبق عليهم الأخشبين فعل"
ولكنه قال له: (لا ... يا أخي جبريل فإني أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبده وحده لا يشرك به شيئاً).
ولعمري لو أن إنسانا آخر مع هذا الذي أصابه منهم أو ناله من إيلامهم لما وقف هذا الموقف الكريم أو عاملهم بهذا الظرف وتلك الرأفة ولكنه كان يعلم - منذ ضمه "جبريل"، عند أول عهده به وقال له: (اقْرَأْ) ومنذ قال له (ورقة بن نوفل): "لم يأت رجل بمثل ما أتيت به إلا عودي".
أنه معرض لذلك كله ولا بد له أن يلاقيه.