وكان المنظور - وللطائف تلك المزايا ولمناخها هذا الاعتدال ولأهلها ذلك الرزق الواسع - أن يكون منهم من دماثة الأخلاق وحسن المعاملة وقوة الإدراك وسهولة القياد ما يحقق منهم أمل النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي أمله منذ اللحظة الأولى لتحول وجهه إليهم إلا أن الذي أخلف الظن وجعله لا يعود من هنالك بطائل أن الطائف كانت كعبة للوثنية ومركزا مرموقا من مراكز الشرك لأن فيها اللات، وهي إحدى بنات الله، اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى" - كما يزعمون - وعصبيتهم لها واعتقادهم فيها لا يمكن أن يفارق نفوسهم أو يغيب عن أذهانهم.
وتقص الأنباء أنه - صلى الله عليه وسلم - حينما انتهى إلى الطائف واستقر بين ظهراني ثقيف واستقبلوه استقبال الطارئ وأنسوا به أنسهم بالضيف واطمأنوا إليه اطمئنانهم لرجل حصيف الرأي بعيد النظر قوي الحجة واضح الدليل متكامل البيان استمعوا إلى دعوته إلى الله وتخويفه من المال وتحذيره من العقاب ونصحه بالطاعة ونهيه عن المعصية ومجاهرته بضرورة المساواة ونبذ العبودية وبغض الظلم.
ثم لم يكد يصل إلى أن البشرية الضالة والإنسانية المتخبطة هي التي تنحرف عن السنن وتلتوي عن القصد إذ تعبد حجراً أو تبتهل إلى جماد لا يضر ولا ينفع، ورب الناس حاضر بين يديهم يرفع الضر ويكشف البلوى ويلبي دعوة الداعي إذا دعاه حتى فهموا أنه يريد بذلك أن ينتقل بهم إلى دين يحول بينهم ما كان عليه آباؤهم وأجدادهم فأغروا به السفهاء منهم وسلطوا عليه الصبيان.
وما زالوا به حتى أدركه الإعياء وأنهكه الجهد وخارت قواه ووجد نفسه وقد أغمي عليه، وهو مستند إلى حائط بستان من بساتين الطائف.