وقد كان أولى بهم وهم نقدة الكلام وأصحاب الذوق الأدبي ودهاقين البلاغة أن يلتفتوا إلى البون الواسع بين الجنسين (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103).
لكن ذلك على حد قول القائل: (كاد المريب أن يقول خذوني) ليحق الله الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين. ولهذا كانت محاولاتهم مفضوحة حتى بينهم وبين أنفسهم وليس أدل على فضيحتهم من أن القرآن، لسحر بيانه وعذوبة منطقه وقوة أسره ودقة تصويره كان يستهويهم جماله ويبهرهم نسجه ويأخذهم حسنة فلا يملكون أن يتحولوا عنه أو يميلوا إلى سواه وكانوا لذلك يختلسون الخطى ويتحينون أن تسنح لهم فرصة التنكر، ليستمعوا منه بعض عما يقرؤه الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا ما فشا عليهم ذلك وعرف عنهم وخافوا أن تتمكن منهم الفرقة وأن يتحولوا جميعاً إلى مفتونين بجرسه مأخوذين بسحر ألفاظه تعاهدوا على الكف وأكدوا بينهم المواثيق على ألا يفعلوا ثم كانت النتيجة المزرية أن كان يتلاقى كبارهم متلبسين بالجريمة فإذا تعاتبوا ادعى كل منهم أنه كان يتجسس على أخيه!!
ولما كان الكتاب الكريم قد تضمن من أنباء السابقين، قصصا جاء بها للاتعاظ وهو نوع من التربية الحكيمة الذي يأخذ به أرقى الأمم والشعوب في تنشئة أبنائهم كما قال سبحانه (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الْأَلْبَابِ) (سورة يوسف الآية: 111)
وظنوا - هم - أن محمدأ يؤلف ذلك كله من خياله ويخترعه من وهمه قصدا إلى التلهي ليلتف حوله الفارغون من العمل المتعطلون عن الوظائف بعثوا (النضر بن الحارث)، ليطوف على أهل القصص
من الروم والفرس، ليعارض (محمداً)، ويحول الناس عنه: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ 6) (سورة لقمان الآية: 6)