وهنالك تطامن الأمر من (عمر)، وزال غضبه وتحولت غلظته إلى رقة وكراهيته إلى محبة وجحوده إلى إيمان وأحس كأن الأرض تميد به وأن السماء تنطبق عليه وأن يوم الحساب قد حضر وأنه قذف به في جهنم فصاح بأعلى صوته أين الطريق إلى محمد؟ لأقتبس من نوره وأروي الظمأ من رحيقه وأمتع النفس بعذب بيانه، وكان المسلمون يترقبون في كل وقت من «عمر» أن يفتك بهم أو يتطاول عليهم لذلك أخذ كل
منهم يقول: أنا أكفيكم شره وأرد عنكم عدوانه وقال النبي -صلى الله عليه وسلم - بل عليَّ به فإني أقدر عليه منكم (واستقبله النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله له): أما آن لك أن تهتدي يا عمر؟)
وكان رد عمر بالإذعان والتسليم والإيمان والانقياد وإعلان الشهادة: أن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وأن محمداً رسول الله، وأشاع خبر انضمامه إلى معسكر المسلمين الذعر والهلع في نفوس المشركين وأخذ المسلمون يطوفون معه على مجالس قريش ومنتدياتها ليوقعوا في قلوبهم الرعب ولم يرض (عمر) منذ أعلن إسلامه أن يكون المسلمون في خفية بدينهم وقال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: (يا رسول الله ألسنا على الحق وهم على الباطل؟. قال له: نعم يا عمر، فقال له: علام نرضى الدنية في ديننا؟ وهنالك أمر - صلى الله عليه وسلم - بالجهر بالدعوة.
وتاريخه - رضي الله عنه - حافل بالأمجاد، مليء بالمكارم يعطي الصورة الرائعة عن الحاكم الإسلامي العادل، والجندي المجهول في مؤازرة الحق، ومعاونة الإنصاف، وفي الوقت الذي رغم أنف كثير من المؤمنين على أبي بكر لأن تكون الخلافة له من دونهم كان هو يسانده ويساعده وينصح له ويشير عليه كان (أبو بكر) لا ينسى له ذلك ولا يغمطه بل كان دائما أبدا كلما أنار له الطريق أو فتح في وجهه المغلق يقول له أمام الأشهاد):
لقد كنت أولى بها مني يا عمر، ولا يرى أن ذلك يضيع كرامته أو ينزل بقدره، أو يحمل الناس على أن يتمردوا عليه.