تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإلى هنا كان المنطق الفطري يقضي بصحة الموقف وسلامة العاقبة وقبول الدعوى أو رفضها، لأن محمداً - صلى الله عليه وسلم - قد أتى البيوت من أبوابها وخاطبهم بالعاطفة والعقل في آن واحد وأخذ منهم صكا على أنفسهم بأنه صادق غير كاذب فلم يكن إصرارهم على الباطل بعد ذلك كله إلا مكابرة وعنادا كان الأليق بهم أن يتحاشوهما ولذلك كان هذا الرد من أبي لهب على الرسول الكريم: (تبا لك: ألهذا جمعتنا؟) ومع كونه تصويرا للطيش ودليلا على الحمق لا يستحق إلا هذا الردع القاسي والرد المؤلم: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2)

سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5).

وكانت تشي بالنبي عند قريش لتؤلبهم عليه وكأنها بذلك تحمل الحطب لتشعل به النار، وكان في عنقها حبلا من ليف التحزم به ذلك الحطب وهو تصوير - كما ترى - يسمو على كل تصوير.

وقد كان في الشعر الجاهلي هجاء يتناول الأخلاق والأعراض، وينال من العلية والسفلة والكبار والرؤساء والعظيم والحقير وكان العرب يثورون الثورة العارمة لهذا الهجاء إلا أنه كان في الكثير الغالب من النوع المبتذل أو الأدب المكشوف، يعيب المتكلم به أكثر مما يعيب المقول فيه.

وهذا الهجاء الذي أصاب أبا لهب كان من طراز جديد، لأنه لم يعد أن أظهره مع ماله وولده في هيئة الذليل الحقير أمام عقاب الله له يوم القيامة (مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2)، وأن امرأته التي هان شأنها وذهبت كرامتها وابتذل عرضها لا تعدو أن تكون في صورة (حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ (5).

من فيض الرسالة · الصفحة ٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ٣٥