وكل إنسان يدعو إلى مكرمة أو يحاول تقويم معوج أو ينادي بمبدأ من المبادئ أو يوجه جماعة من الجماعات إلى طريقة مثلى وخطة سليمة أو عمل نافع من شأنه أن تصادفه العقبات وتواجهه المصاعب وتقع في سبيله العراقيل، فيوطن نفسه على اقتحام ذلك كله، والاستهانة بالجهد بالجهد المبذول والتعب الحاصل والشدائد الطارئة التي يكون من أهونها المطاردة من الوطن، والمفارقة للأهل والأصدقاء ولقد كان حديث (ورقة بن نوفل) للنبي - صلى الله عليه وسلم - وقوله له: (ليتني حياً إذ يخرجك قومك. لم يأت رجل قط بمثل ما أتيت
به إلا عودي) بمثابة التأويل لهذا الضم الذي حصل من جبريل إلى حد أن بلغ منه الجهد، فإن التاريخ الذي مر به - صلى الله عليه وسلم - والشدائد التي لاقاها والخصومات التي قامت في وجهه والحروب التي خاض غمارها من أعداء الدعوة كانت تطبيقا لتلك الصورة التمثيلية الرائعة التي مثلها أمين الوحي وتصديق - كذلك - لقول (ورقة بن نوفل): لم يأت رجل بمثل ما أتيت به إلا عودي) ... ولكن محمداً - صلى الله عليه وسلم - على الرغم من الجهد الذي لاقاه من جبريل والخوف الذي اعتراه والهلع الذي أصابه وتنبؤ ورقة بإخراج قومه له وعداوتهم إياه لم يثن ذلك من عزمه أو يفتل طموحه أو يطفئ نار الشوق إلى الغاية التي كان يترقبها، وظل بعد ذلك يود أن تتكرر الحادثة وكان بصره دائما يتطلع إلى السماء وقلبه دائما مرتبط بغار حراء رجاء أن يتجلى الله عليه وتحفه الرحمة منه، فلما فتر عنه الوحي ظلت جوانحه تغلي وفؤاده يخفق وعروقه تتمزق وأخذ اليأس من الدنيا يعاوده والكراهية للحياة تعتريه ... إلا أن كلمات خديجة التي وجهتها إليه في ساعة الفزع - إذ قال لها لقد خشيت على نفسي - كانت في أذنه في كل وقت أشبه بالموسيقى الحلوة والنغم الحبيب يذكرها بينه وبين نفسه: "لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق".