تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي هذا اليوم نزل قوله تعالى جل شأنه: (الْيَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً).

وأدى - صلى الله عليه وسلم - مناسك الحج من رمي الجمار والنحر والحلق والطواف، وبعد أن أقام بمكة عشرة أيام قَفَلَ راجعاً إلى المدينة، ولما بدت له من بعيد معالمها الشامخة، كبر ثلاثاً وقال: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شي قدير، آيِبُونَ تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)

والواقع الذي لا شك فيه أن هذه الخطبة كانت وثيقة تاريخية رائعة، حدد فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - المعالم الصحيحة للمجتمع المتماسك القوي، الذي يسوده التعاون والوفاء والحب والبر، والرحمة والتعاطف والخير والسعادة، والأمن والطمأنينة والاستقرار والتقدم، وكانت الدعامة الأولى لهذا كله صون الدماء والأموال:

(إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فإن الجماعات والشعوب، والأمم لا تسودها الفوضى والانحلال، ويسيطر عليها القلق والاضطراب، وتتحول إلى أحراش وغابات تسكنها الوحوش الضارية والذئاب المفترسة، إلا إذا رخصت فيها الدماء على الناس، إلى هذا الحد الذي لا يجد فيه القاتل من يضرب على يديه، ويَحُولُ بينه وبين سفك الدم الحرام، ولهذا كانت الكلمة القرآنية: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) تشبه الدستور العادل والقانون الصحيح، والنظام الذي لابد منه لوجود البيئة المترابطة بالحق، المتواصلة بالبِر، المتماسكة بالعدل، المتضاربة في القلوب والأفئدة، حتى يمكن أن تحصل على السعادة التي تنشدها، والاستقرار الذي تطلبه، وكذلك كانت للأموال هذه الاعتبارات، لأن المال عصب الحياة، فإذا لم يكن لها تلك الحرمة، كانت الحياة جحيماً، والعيش لوناً من ألوان التعاسة إن لم يكن هو التعاسة بذاتها.

من فيض الرسالة · الصفحة ٢١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ٢١٤