على أن هنالك من المسلمين من أبدى غاية الإخلاص في الجهاد، ونهاية البذل في سبيل الله، مثل عثمان، وأبي بكر، وعمر، وعبد الرحمن بن عوف، وأولئك الذين كانوا لا يجدون الظهر التي يركبونها، فجاءوا إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليوفر لهم الظهر التي يركبونها، فلما قال لهم: (لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92).
ويظهر من أحداث غزوةہتبوك: أنها كانت آخر ما طفح به الكيل في نفوس المنافقين، إذ ظهرت كراهيتهم، لأن ينتصر صلى الله عليه وسلم، أو يتمكن نفوذه ويقوى سلطانه بشكل لا التواء فيه ولا خفاء، فإنهم لم يتركوا لونا من ألوان الاعتذار، ولا أسلوبا يعللون به تخلفهم وعدم وخروجهم، إلا سلكوه والتجأوا إليه، وفي سورة التوبة تسجيل لهذه الألوان وتلك الأساليب، وإن كانت كلها لم تخف عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولكنه علمها وأطلعه الله عليها، وكان ذلك افتضاحا لحالهم، وكشفا لسوءاتهم، وقد حمل ذلك كله جماعة من المتخلفين أن يصارحوه صلى الله عليه وسلم أن تخلفهم لم يكن لعذر يلتمسونه التماسا، أو يزورونه كذبا وبهتاناً، وأنهم لهذا يتركون الأمر له، ليقضي فيهم بما يجد أنه يتناسب مع تلك الجريمة، وقد ربطوا أنفسهم بسارية المسجد، وقاطعهم الناس حتى زوجاتهم، ثم نزلت فيهم الآية: (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا
حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118).
ويقول الدكتور هيكل: "